فهرس الكتاب
وقد رأى المؤلف كثيرا من المسلمين مفتونين بالحضارة الغربية وتقليدها تقليدًا أعمى إيمانا منهم بأن أسلوبها هو أسلوب الحياة الأمثل وأن أمتهم إذا كانت تريد فعلا النهوض مما هى فيه من ركود وضعف وتخلف فليس أمامها إلا الضرب في طريق هذه الحضارة واتباع خطوات أبنائها. ومن هنا وجدناه مهتما بالتحذير من مغبّة هذا الطريق والسير فيه. إنه يؤكد أشد التأكيد أن الأخذ بالمدنية الأوربية هو قَتْلٌ بالسم الزُّعَاف للثقافة الإسلامية المبنية بطبيعتها على القيم الدينية: فالإسلام يهتم أول ما يهتم بالرقى الخلقى، مع عدم إغفال الرقى المادى بطبيعة الحال، أما في المدنية الغربية فالاهتمام منصب على اعتبارات النفع المادى وحده، أما الأخلاق المطلقة فليس لها مكان في منظومة تلك المدنية. ذلك أن هذه الأخلاق إنما هى نتاج دينى أساسه الإيمان بالله والحياة الآخرة، على حين أن أوربا قد طلَّقت ذلك كله وعدَّته رجعيه وتخلفا. والسبب في هذا أن المدنية الأوربية هى بنت المدنية الرومانية المادية ووريثتها، ولم تكن النصرانية التى اعتنقتها بعد ذلك إلا مجرد طلاء خارجى سرعان ما تخلصت منه حينما واتتها الفرصة فثارت على الكنيسة ورجال الدين، الذين كبلوها بالأغلال روحًا وجسدًا طَوال العصور الوسطى المظلمة ودفعوها بهذا التكبيل إلى مزيد من النفور من الدين.