فهرس الكتاب
وبالنسبة لعيسى عليه السلام نجد الأستاذ أسد يؤوِّل كلامه في المهد بأنه إشارة مَجَازيَّة للحكمة النبوية التى كانت تلهم عيسى منذ وقتٍ جِدّ مبكر من حياته. لكننا نعرف أن اليهود، عندما أشارت إليه أمه وهو لا يزال في المهد كى يسألوه فيما يريدون أن يعرفوه عن السر في ولادتها إياه دون زواج، كان ردهم عليها:"كيف نكلِّم من كان في المهد صبيًّا؟"، وحينئذ أجابهم عيسى بقوله:"إنى عبد الله، آتانى الكتاب وجعلنى نبيًّا*..."، فماذا يقول الأستاذ أسد في هذا؟ إنه يؤوِّل الزمن الماضى هنا فى"آتانى"و"جعلنى"بأنهما يدلان على أن ذلك سوف يحدث في المستقبل لا أنه حدث في الماضى. وجوابنا هذا يدل على صحة ما قلناه عن هذه الآية، إذ معنى الكلام حسب تأويله هو أن الله سيؤتينى الكتاب وسيجعلنى نبيا في المستقبل، ومعنى هذا بدوره أنه عليه السلام لم يكن قد أصبح نبيا بعد، ومعنى هذا ثالثا أنه كان صغيرا حقا، أليس كذلك؟ وإلا فلو لم يكن عيسى قد تكلم فعلا في المهد فلماذا لم يذكر القرآن ذلك عن غيره من الأنبياء أيضا، وكلهم بحمد الله قد رعا الله خطواتهم منذ بداية حياتهم وصنعهم على عينه؟ ولماذا يوافق القرآن ما جاء في بعض الأناجيل من أنه عليه السلام قد تكلم فعلا في المهد؟ أيُعْقَل أن يحكى القرآن القصة كما رواها أحد الأناجيل مما يؤكد وقوعها، ثم ينقلب على نفسه وعلى ذلك الإنجيل مغمغما في همس لم يسمعه إلا الأستاذ أسد ومن يلفّون لفّه بأن شيئا من ذلك لم يقع، وإنما هو كلام في الهواء؟ إن هذا لَبسلوك البهلوانات أشبه، وحاشا لله أن يكون هذا هو منهج القرآن في الشرح والتفهيم! وبالمناسبة فإن القاديانيين هم أيضا ينفون كلام عيسى في المهد ويؤولونه بما يخرجه عن إعجازيته. وهذا هو ديدنهم مع الآيات الخوارق التى يؤيد الله بها أنبياءه ورسله كما قلنا.