فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 164

هذه الزواية الضيقة الحرجة دون أدنى داع؟ وحتى لو قلنا إن الرسول هو مؤلف القرآن (أستغفر الله!) فإنه لم يكن ليوقع نفسه في هذه الورطة التى لا يُحْسَد أحد عليها، وهو العبقرى الراجح العقل البعيد النظر. ثم كيف يتفق القرآن الكريم مع ما جاء في العهدين القديم والجديد عن معجزات موسى وعيسى بالذات رغم تأكيده أنهما قد تعرضا للعبث والتحريف؟

ولقد وقف الأستاذ أسد مَلِيًّا عند آية"الإسراء"السابقة، لكنه كعادته حاول أن يلوى رقبتها إلى غير جهتها، فوصفها أولا بأنها مشحونة بالمعانى والرموز، تريد أن تقول شيئا آخر غير الذى يُفْهَم من ظاهرها (highly elleptic) ، ثم أضاف أن القرآن في عدة مواضع منه يلح على أن الرسول محمدا، رغم كونه آخر المرسلين وأعظمهم، لم يُؤْتَ القدرة على صنع المعجزات، التى يقال إن الأنبياء السابقين كانوا يثبتون بها نبوتهم. وهو ما قد يُفْهَم منه أنه لا يصدِّق بوقوع المعجزات، فإنه لا يقول عنها:"المعجزات التى كان الأنبياء السابقون يثبتون بها نبوتهم"بل"التى يقال إنهم كانوا يثبتون بها نبوتهم"، أى أنها مجرد أقاويل. لكنه، رغم ذلك، يعود فيقول إن القرآن رسالة لكل العصور والأجناس والبيئات الاجتماعية إلى آخر الزمان، على عكس رسالات الأنبياء السابقين الذين كانت أممهم عديمة النضج العقلى، ومن ثَمَّ بحاجة إلى الأعاجيب أو المعجزات الرمزية لكى تساعدها على إبصار الحقيقة الباطنة في رسالاتهم، أما القرآن فجاء بعد أن نضج الجنس البشرى ولم تعد هناك حاجة لتعضيده بالخوارق أو الوقائع الإعجازية...إلخ [19] . ومن الواضح أن أسد مازال يسلك طريقا روّاغة، فما إن يعطينا باليمين شيئا حتى يسترده بالشِّمال. إنه يذكر"المعجزات"، لكنه سرعان ما يصفها بأنها"معجزات رمزية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت