فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 164

والواقع أن التأويل يمثل قَسَمَة بارزة، إن لم تكن أبرز القسمات، في فكر محمد أسد الإسلامى كما يتبدى في ترجمته التفسيرية للقرآن الكريم. ونبدأ بتأويله لإبليس والشياطين، ويتضح من الهامش رقم 10 و16 من هوامش ترجمته لسورة"الأعراف"مثلا أن قصة آدم وعصيان إبليس للأمر الإلهى بالسجود له هى عنده قصه رمزية للتطورات الروحية والأخلاقية التى طرأت على حياة الجنس البشرى فوق هذه البسيطة، وليست قصة حقيقية حدثت قبلا لآدم في الجنة [27] . وإبليس، عنده أيضا،"ملاك ساقط"، وتمرده تمرد رمزى، وهو بإغوائه البشر إنما يمثل مهمة كونية محددة هى حَفْزهم على ممارسة ما وهبهم الله من إرادة أخلاقية حرة، أى القدرة على الفعل والترك في مجال الأخلاق [28] . كما يفسر الشياطين بأنها تعبيرٌ استعارىّ عن الرغبات البشرية الشريرة المضادة لمصالح البشر الروحية [29] . وبالمثل يؤول"القُرَناء"فى قوله عز وجل:"وقَيَّضْنا لهم قُرَناء فزيَّنوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم"والآيات التى تشبهه بالنزغات الشريرة التى لا تنفك ملازمة للمجرمين [30] .

فأما أن إبليس"ملاك ساقط"فهو يخالف ما جاء في القرآن الكريم من أنه من الجن:"إلا إبليس، كان من الجن ففسق عن أمر ربه" [31] . ومما يؤكد هذا قول إبليس نفسه في حواره مع رب العزة إنه خير من آدم لأن آدم مخلوق من طين، أما هو فمن نار [32] ، ومعروف أن الجِنّة مخلوقون من النار [33] ، فكيف يُقْدِم مسلمٌ بعد ذلك على القول بأن إبليس كان ملاكا عصى الله فهبط من عليائه؟ إن هذا أحد التأثيرات الكتابية لأن أهل الكتاب هم الذين يقولون ذلك، أما المسلمون فيقرأون في القرآن المجيد قوله جل شأنه في وصف الملائكة:"يخافون ربهم مِنْ فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون" [34] ، فكيف يقال إن مَلَكًا من الملائكة قد جرؤ على عصيان الله، وقد فطرهم الله جميعا على الطاعة المطلقة بحيث لا يُتَصَوَّر وقوع العصيان منهم مجرد تصور؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت