فهرس الكتاب
ولقد غَبَرَ علىَّ في شبابى زمن كنت أميل فيه إلى القول بمثل ما قال محمد أسد، لكننى كلما تعمقت في الأمر وجدت أن من الأسلم الإيمان بوجود الشيطان ووسوسته. ومع هذا فلكلِّ وجهةٌ هو مولِّيها، والعقول ووجهات النظر والأمزجة تختلف من إنسان لإنسان، ولكنى لا أستطيع إلا أن أستعجب ممن يقولون بوجود"اللاوعى"مثلا (الشخصى منه والجمعى) وينكرون وجود الشيطان! أَوَعندهم دليل على وجود مثل هذا اللاوعى؟ إنما هو كلام بعض علماء النفس، وكلامهم مجرد تخمينات وافتراضات، أما الشيطان فمعرفتنا به راجعة إلى ما جاء في القرآن الكريم وأحاديث الرسول، وأين هذا من ذاك؟ وأيا ما يكن الأمر فإن الإيمان بوجود الشيطان لا يناقض القول بوجود الغرائز البشرية: فالرغبات موجودة، والشيطان ينفخ فيها ويؤججها ويغرى بالارتماء في نارها. وإن شعور الإنسان في مثل هذا الموقف بأنه في صراع مع شىء متميز عنه لمما يؤكد وجود الشيطان.
وبمثل هذه العين ننظر فيما قاله كاتبنا عن أمر الله لملائكته بالسجود لآدم، إذ معناه عنده أن البشر متفوقون عليهم بالتفكير التصورى والقدرة من ثَمَّ على التمييز بين الصواب والخطإ [41] . إننا لا نشاحّ في شىء من هذا، لكننا لا نجد فيه ما يمنع من الإيمان بوجود الملائكة والشياطين ورضا الأولين بالسجود لآدم، واستكبار إبليس عن ذلك. ترى لماذا لا يسير الأمران جنبا إلى جنب؟ هل في طبيعتهما ما يمنع من هذا؟ ونفس الشىء نقول في أجنحة الملائكة المذكورة في الآية الأولى من سورة"فاطر"، فأسد يراها رمزا يدل على السرعة والقوة التى يتنزل بها الوحى على الأنبياء [42] . إننا لا نرى فيما يقوله أسد هنا عن سرعة الوحى وقوته ما يبعث على الاعتراض عليه، ولكننا أيضا لا نرى فيما جاء به القرآن عن أجنحة الملائكة ما يوجب التأويل. المهم ألا نشبهها بأجنحة الطيور، فالطيور جنس من المخلوقات، والملائكة جنس آخر مختلف تماما.