فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 164

ثم إن هذه النزعة التأويلية المسرفة من كاتبنا لَتُوقِعه أحيانا فيما لا يقبله العقل. لنأخذ مثلا تفسيره لـ"الجِنّة"فى قوله سبحانه عن المشركين:"وجعلوا بينه (أى بين الله) وبين الجِنَّة نسبا"بأنهم"قوى الطبيعة، إذ إن هذه القوانين لا تظهر للعين ولا تدركها الحواس، فهى تنتمى إذن لعالم الخفاء، و"الجِنَّة"هى كل كائن خفى [43] . يقصد أن مادة"ج ن ن"تعنى الخفاء. ووجه المناقضة للمنطق في هذا التفسير أن القرآن يشير في الآية المباركة إلى ما كان العرب يعتقدونه، والعرب (كما هو معلوم) لم يكونوا يعرفون شيئا أى شىء عن قوانين الطبيعة التى يفسر بها أسد كلمة"الجنة". أى أنه ينسب إلى العرب ما لا يمكن نسبته إليهم. إنه، بهذه الطريقة، يدعى على التاريخ ما ليس منه، وهذا هو وجه الخطورة. ثم إن الجن في القرآن جنس محدد بمعالمه فلا يمكن من ثَمَّ أن يفسَّر بـ"القوانين الطبيعية". كذلك فالآية تنسب إلى الجن"العِلْم"، ولا يمكن أن توصف القوانين الطبيعية بالعلم، إذ ماذا تعلم؟ أو كيف تعلم؟ كما أن الآية تقول عن"الجِنَّة"إنهم لَمُحْضَرون للحساب يوم القيامة، فهل يمكن القول عن قوانين الطبيعة إنها ستُحْضَر يوم القيامة؟ فهذا وغيره هو الذى جعلنى أرجع عما كنت أعتقده في شبابى الأول من أن الملائكة هى عوامل البناء في الكون، أما الشياطين فهى عوامل الهدم والتفتيت، بالمعنى الواسع لكلمتى"البناء والهدم" [44] . ويزداد تناقض ما يقوله أسد مع منطق العقل بروزا عندما نراه يقيس ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من وجود نسب بين الله سبحانه والجن على مفهوم:"l' elan vital: الدفعة الحيوية"فى فكر برجسون الفيلسوف الفرنسى، هذا المفهوم الذى يقوم على إضفاء صفات الألوهية على عناصر الطبيعة [45] ، إذ أين اعتقاد العرب في الجن من الدفعة الحيوية البرجسونية؟"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت