فهرس الكتاب
وتعليقى على هذا أنه ليس هناك من سبب يجعلنا نصرف لفظ"الجن"عن دلالته المعروفة إلى معنى"الغرباء من البشر"، وإلا فأين الدليل على ذلك؟ صحيح أن القرآن قد استخدم كلمة"شياطين"للبشر، لكنه حين فعل ذلك قال:"شياطين الإنس"، أما هنا فقد استعمل كلمة"الجن"مطلقة دون إضافتها إلى"الإنس"أو"البشر"أو ما إلى ذلك. وعلاوة على هذا فإن القرآن يسمى الغرباء المسافرين:"أبناء السبيل"أو الذين"على سفر"، ولا يسميهم"الجن"أبدا. ثم إننا، على مذهب محمد أسد، ينبغى أن نسمى كل مسافر أو غريب لم نره من قبل:"جِنًّا"! أَوَلَيْسَ هذا كلاما مضحكا؟ وبالإضافة إلى ذلك فإن سورة"الجن"تذكر"الجن"فى مقابل"الإنس"كما تفعل آيات كثيرة في القرآن الكريم، ولم يقل أحد إن"الجن"فى غير هذه السورة وسورة"الأحقاف"هم الأغراب الذين لم يسبق لنا أن رأيناهم، فلماذا تشذّ هاتان السورتان؟ وماذا نفعل بقوله عز شأنه في سورة"الجن"على لسان الطائفة التى تنتمى إلى هذا الجنس:"وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلِئَتْ حَرَسًا شديدا وشُهُبا* وأنا كنا نقعد منها مقاعدَ للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصَدا"؟ أنقول إن هؤلاء الأغراب كانوا يقعدون من السماء مقاعد للسمع، أما الآن فقد تغير الحال ولم يعد يمكنهم أن يفعلوا ذلك؟ ولكن كيف يا ترى يتسنى للبشر أن يصنعوا هذا؟ أم ترى لابد من التأويل هنا كى نغطى ظهر التأويل السابق؟ إننا، بهذه الطريقة، نضيع معالم الآيات وملامحها، ويلتبس كل شىء فيها بكل شىء!