فهرس الكتاب
ثم إن القرآن يفسر بعضه بعضا، و"رجوم الشياطين"هى الشهب الراصدة التى يُقْذَف بها من يريدون أن يَسَّمَّعوا من الشياطين إلى الملإ الأعلى. وقد جاء في الآية 17 من سورة"الحِجْر"أن الله قد حفظ السماء"من كل شيطان رجيم"، فالرَّجْم هنا هو الرجم هناك، أى القذف بالشهب الراصدة والطرد من رحمة الله لا رجم الظنون والتكهنات. وهذا واضح لكل ذى عينين! وهو نفسه ما تقوله آيتا سورة"الجن"المذكورتان آنفا، فلم اللف والدوران؟ كذلك لو كان الجن هنا مجرد جماعة من الغرباء، فما الذى أمسكهم فلم يجعلهم يبرزون من مكامنهم التى تصادف أن استمعوا فيها للرسول عليه السلام وهو يقرأ القرآن في وادى نخلة؟ إن الآيات واضحة الدلالة على فرحتهم به وبالقرآن الذى سمعوه منه ومسارعتهم إلى الإيمان، أفلم يكن الطبيعى منهم أن يحرصوا على التقدم إليه وتعريفه بأنفسهم وإشهاده على إيمانهم برسالته؟ لكن آيات سورتى"الأحقاف"و"الجن"تنص على أن الرسول لم يعلم بوجود هؤلاء القوم وإيمانهم بدعوته إلا من خلال الوحى الإلهى، مما يدل على أنهم من الجن المعروفين الذين لا يظهرون للبشر. وتبقى مسألة كونهم يهودا أو نصارى، وليست آيات سورة"الأحقاف"قاطعة الدلالة على أنهم يهود، ولقد قال محمد أسد ذاته في تعليق سابق إن عيسى لم يأت بشريعة جديدة. ومن هنا فإن التوراة من الناحية التشريعية شىء واحد لكل من اليهود والنصارى.
والطريف أن محمد أسد، بعد كل هذا، عاد فترجم"الجن"فى قوله سبحانه في الآية الرابعة من سورة"الجن":"وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا"بـ"القوة الخفية"، وفسرها في الهامش بأن المقصود بهم"the occult powers"، أى القدرات السحرية الخفية [55] ، فأى ارتباك وإرباك هذا؟ أهكذا يُتَناول القرآن الكريم؟ فكيف تقول"القدرات السحرية"على الله الكذب؟ إن هذه القدرات إنما هى مفاهيم مجردة لا أشخاص، فكيف يمكن أن يقع منها قول أو توصَف بالكذب؟