فهرس الكتاب
على أن ما يسترعى الانتباه بل الاستغراب هو أن محمد أسد، في المرتين اللتين تعرض فيهما لتفسير العبارة التى كان اليهود يخاطبون بها سيدنا رسول الله ونَهَى القرآنُ المسلمين عن استعمالها في حديثهم معه صلى الله عليه وسلم، وهى قول سلالة القردة والخنازير:"راعِنا"، لم يشر في المرة الأولى إلى ما في تلك العبارة من سفالة يهودية سفيهة، بل اكتفى بالقول بأن القرآن قد نهى المسلمين عن مخاطبته عليه السلام بهذه الكلمة احتراما له وخضوعا لأوامر الوحى النازلة عليه [148] ، غير مشير إلى اليهود أثناء ذلك البتة، أما في تفسير الآية 46 من سورة"النساء"، ونصها:"مِن الذين هادوا يحرِّفون الكَلِم عن مواضعه ويقولون: سمعنا وعصينا، واسمع غير مُسْمَعٍ وراعِنا، لَيًّا بألسنتهم وطَعْنًا في الدين"، فلا يزيد عن القول بأن عبارة"اسمع غير مُسْمَع"، التى كان اليهود (كما يقول) يتخاطبون بها فيما بينهم، إنما تصف موقفهم من العهد القديم ومن القرآن على السواء، دون أن يتطرق هنا أيضا إلى ما في الكلام من سفالة وسفاهة يهودية معروفة، إذ إن عبارة:"راعِنا"، كما يوضح العارفون بلغة اليهود، تتطابق من حيث النطق مع اللفظة العبرية ? لاـ ('ra بالحروف اللاتينية) بمعنى"شرير خبيث، منحط ...إلخ". فهم، عليهم لعائن الله، يتظاهرون بأنهم إنما يلتمسون منه صلى الله عليه وسلم أن يراعيهم، على حين أنهم يقصدون شتمه عليه السلام. وغرابة الأمر تكمن في أن أسد كان يعرف العبرية والتراث الدينى اليهودى في لغته الأصلية معرفة واسعة كما يذكر هو عن نفسه [149] ، فضلا عن أن المتوقع منه أن يكون على اطلاع كبير على ما كتبه العارفون بتلك اللغة عما في العبارة من خبث يهودى منحطّ وحقد على النبلاء الأفذاذ من بنى البشر، وبخاصة الرسل الكرام.