فإذا كانت رحمة الله تعالى لهذه الدرجة التي كادت أن تلتحف هذا الطاغية مع كل ما قدّم، فكيف تتصوّر يارعاك الله وأنت تحمل هذا الإسلام دينًا، وتعظّم ربك فتتعبّد له بهذه العباد العظيمة، لدرجة أنك تتحمّل في سبيله كل لأواء، بل تقدّم مرضاته على شهوات نفسك، وتجهد في سبيل طاعته. كيف تتصوّر جزاؤه لك غدًا في عرصات القيامة؟ إن الحال أعظم من أن يصفه مقال، فقط أترك لك تصوّر ذلك.
الموقف الثاني:
موقف الطاغية الآخر أبو لهب، الاسم الذي أراد الله تعالى أن نردده في كتابه الكريم على وجه الذم والتشهير به، أبو لهب الرجل الذي ظل يركض في سبيل إلغاء دعوة الله تعالى، الرجل الذي وقف في وجه نبينا صلى الله عليه وسلم، وظل يطارده في بقاع مكة صادًا له عن تبليغ الرسالة، هذا الرجل أعتق ثويبة مولاته، وهذه المرأة أرضعت نبي الله صلى الله عليه وسلم، فانظر كيف صنع الله تعالى بهذا المعروف لأبي لهب، في البخاري أنا أبا لهب لما توفاه الله تعالى رآه بعض أهله في المنام فقالوا له ماذا لقيت بعدنا؟ فقال: لم أجد بعدكم رخاء أو قال: راحة غير أني سُقيت من هذه ـ وأشار إلى النقرة التي بين السبابة والإبهام ـ لإعتاقي ثويبة. فإذا كان الله تعالى أوفى هذا الرجل، وحفظ له هذا الجميل، وكافأه عليه مع أنه لم يرجو به وجهه تعالى، إلا لما صار به أثر على الإسلام، فقل لي بربك أيها الصائم الكريم وأنت بهذه الطاعة، وهذا الحرص في شهر رمضان على الخير، تجهد من أجل الله تعالى، وتنفّذ أمره، وتحرص على طاعته كيف يكون جزاؤك بين يديه غدًا في عرصات القيامة؟