فلسفة المواطنة
أ.د عبد الرحمن بن زيد الزنيدي
بسم الله الرحمن الرحيم
افتتاح
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد /
فإن ربانية المنهج الإسلامي الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه في القرآن الكريم والسنة المطهرة ، أنه لا يمثل ، ولم يمثل إشكالية لأتباعه بين مصالحهم ومبادئهم، ولا بين السقف الحضاري الذي يعيشونه في لحظة تاريخية معينة ، وقيم الإسلام الثابتة.
من ذلك الدوائر المحيطة بالإنسان (الأسرة ، العائلة ، القبيلة ، الوطن .. إلخ) . هذه الدوائر لم يأتِ الإسلام ليلغيها تمامًا ، ولا ليتقمص شيئًا منها على حساب الآخر، فالإسلام ليس دين قبيلة ولا وطن ولا جنس قومي خاص ، ولكنه أيضاًَ لم يلغ اعتبارات هذه الدوائر التي يمثل كل منها حاجة تاريخية معينة للناس ، بل لقد اعتمدها الإسلام ، ودليل ذلك أنه أعطى في كل منها توجيهات قيمية تهذيبية تؤكد الفضائل ، وتنفي الرذائل . وبما أن الإسلام دين الله للبشر فقد جعل قيمته الكبرى وهي العبودية لله حاكمة على تلك الدوائر كلها صابغة إياها بصبغة الإسلام المتميزة ، مما يجعل تلك الدوائر متناغمة فيما بينها دون تشاكس تبعًا لوحدة القيم الموجهة لها .
إن مشكلة المسلمين - في هذا العصر - أنهم يتعاملون مع قضايا الحياة لا من خلال قيم دينهم مباشرة ، ولا من خلال مصالحهم المستقلة ، وإنما من خلال التفاعل مع حضارة الآخر إما استلابًا لمعطياته الحضارية ، أو مخالفة لها ورفضًا ، بذريعة العداء التاريخي مع هذا الآخر ، أو الاختلاف الديني معه.
وقضية المواطنة من هذه القضايا ، فقد غالى بعضهم في الانفعال بها في منطلقاتها الفكرية التي تجعل محور الولاء هو الوطن بديلًا عن الدين باسم (الوطنية) وضاد ذلك آخرون فحاربوها باسم الإسلام .