لقد أسلفت تأكيد كثير من المفكرين المعاصرين على أن مقابل (مواطن) المعاصرة هي (مسلم) وفق مضمونها الإسلامي الذي يعني شخصًا له حقوق وعليه واجبات تجاه ما يحيط به من أشياء الوجود ومنها قطاعات المجتمع التي منها الدولة .
فضلًا عن هذا فإن التعامل مع لفظ (رعية) بهذا السلق السريع والدعوة إلى أن تخرج الشعوب المسلمة من كونها رعية لتكون مواطنة غير سديد ؛ إن الألفاظ العربية لا تبقى في حدود إطلاقاتها الأولى وإنما تتطور لتتضمن معاني تناسب الصياغات التي تندرج فيها ؛ إن لفظ (الرعية) في الصيغ الشرعية تتضمن معنى حق المرعي على الراعي بالعدل والقيام بالحق وإيفائه حقوقه التي شرعها الإسلام له ، فالنص الشرعي وهو نص ديني عماده التوجيه الخلقي قبل التشريع القانوني يوجه الراعي أن يتحمل مسؤولية إقامة حقوق الرعية تدينًا لله وطلبًا لرضوانه ، ولنتأمل حديث المسؤليات الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الاعظم الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ؛ ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) (24) .
ولأن المسلمين فهموا مثل هذا النص في جوه الديني العام لم ترد عندهم تلك الصورة البشعة التي تمنح الراعي التلاعب بمصائر رعيته كما الراعي بأغنامه ، إن الذي فهموه عكس ذلك تمامًا لقد فهموا أنه دليل على عظم حقوق الرعية وخطورة مسؤولية من تهيأ له إمساك زمام الحكم عليها بل فهموا منه أن الراعي ليس هو الأصل بل الرعية ، وأن الراعي مجرد وسيلة لإقامة حقوق هذه الرعية ،ولنأخذ من كلام هؤلاء العلماء ما نقله ابن حجر في شرح هذا الحديث: