فهرس الكتاب
... وإذا استقام لنا هذا الفهم، تمكنا من قراءة قسط كبير من الشعر العربي الدائر حول"موضوعة الدنيا"على أنه شعر فيه للمكان: المجازي/ الحقيقي شطر وافر من الحضور. استطاع الشعر من خلاله صب جملة من المعاني المتصلة بحقيقة الدنيا في الظرف المكاني.وكأن التنافذ بين الاصطلاحين من القوة الرمزية ما يجعل الحديث من باب المجاز أصالة، ولكنه يظل خاضعا لشروط المكان الفيزيقية. وهذا الشأن يستقيم مع مقابلة الدنيا بالآخرة، وجعل هذه الأخيرة"دارا"أخرى أكسبها الوحي حظا من المواصفات التي تقف في الطرف الآخر من الدار الفانية. وكأن المقابلة بينهما تتسع لتجعل تقابلهما يتجاوز الأحياز إلى تقابل الفناء والخلود. إنها الفكرة التي نؤسس عليها"نص التضاد"في كل شعر تعرض لموضوعة الدنيا.
2-الموت: الحقيقة والوجود.
... إذا كان الشعراء يحملون"شقاوة"الطلل في شعرهم نصا، وفي أنفسهم هاجسا، يعرض عليهم صور التحول والفناء، فإن الظرف الذي يشتمل على هذه المواقف كلها هو"الدنيا". ومحاورة الطلل في وجه من وجوهها، محاورة للدنيا وأحوالها الصائرة إلى الفناء والموت. وكأن الطلل مظهر شاخص من مظاهرها، وموضوع بارز من مواضيعها. والاجتزاء به، معالجة جزئية للقضية الأولى التي تسكن الإنسان عبر العصور. وكلما فكر الإنسان في ذاته وجودا، أو فكر فيها مشروعا، وقفت الدنيا بجميع ملابساتها قبالته. تذكره بضرورة الزوال. إنها الصدمة التي تجابه كل عقل يشرئب خارج إطار الآن، ليطل على المستقبل، ويلامس خاصية الزمان، فيجدها في حركة مستمرة نحو غاية واحدة، سارية على جميع الكائنات دون تمييز أو تعيين.