فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 154

... وليس الاهتمام بالدنيا"قيمة"وليد ظرف حضاري معين، يصنعه وعي ثقافي متقدم. وإنما الاهتمام"فطرة"تنشأ في النفس مع البوادر الأولى للتفكير الجاد. وتأخذ حظها من العمق والتدبر كلما تقدم بصاحبها ركب الزمان، واغتنت بالتجارب والملاحظات. حتى تأخذ النظرة النافذة فيها طابع التفلسف الحق، الذي يحمل على عاتقه إيجاد الجواب الشافي للسر المستديم. ذلك هو الهم الذي تحمله كل الفلسفات، سواء رفعت بصرها إلى السماء، أو ركزته في الأرض. فبين مبتغاها هذا وذاك، سؤال واحد عن الأين والأين: أين يبحث في الأصل والنشأة، وأين يبحث في المنتهى والمصير. وكلما غمض الطرفان، وافتقرا إلى دليل، كلما سعت النفس إلى إيجاد البديل الذي يرضيها في موقفها ذاك. فصنعت لنفسها الاعتقاد الذي تركن إليه.وإذا فحصنا الاعتقاد عينه بين السذاجة والنضج، وجدنا لضرورة المعرفة - معرفة المبدأ والمنتهى - حضورا يؤرق النفس كل حين. وسواء ركنت النفس إلى القالب الأسطوري، تفسر به حيرتها ومبتغاها، أو سارعت إلى إنشاء الاعتقاد الوضعي الخاص استنادا إلى فهم خاص للحياة والاجتماع، فإن الاعتقاد واحد بين الطرفين يسلك سبلا مختلفة لغاية واحدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت