فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 154

لم يكن الشاعر الجاهلي بدعا من الشعراء !كانت له أساطيره التي يركن إليها في فهمه للحياة.ولكنها لم تكن من القوة بحيث تسيطر على فطرته، وتخمرها كلية. بل كانت الفطرة عارية تطل كل حين وراء كل سؤال جوهري، متلمسة المظاهر العامة التي يخلفها سيل الزمن وتواليه، وأحداثه. تقف من الحياة موقف المراقب الحصيف الذي يستخلص من التشابه، والتعارض، والتناقض، والتوالي دروسه. فتسجلها في ثوب من الحكمة، والمثل، تلخيصا للعلم الحاصل من التجربة المعاشة. ذلك ما تكشفه القراءة المتأنية للأمثال، والحكم، بعيدا عن محمولاتها المباشرة، وصولا إلى الأفكار التأسيسية التي أنشأتها، وصاغت عبارتها. إذ المثل - مثلما قلنا سابقا - موقف من الحياة. وكذلك الحكمة، وكأنها استخلاص لزبدة المعرفة من مخاض اليومي المتحول. وعندما نقرأ ل"زهير ابن أبي سلمى"قوله:

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب

تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم. (3)

ندرك أن منشأ هذا التصور هو الملاحظة المستمرة لفعل الموت، يبحث له العقل عن نظام أو سرّ في اختياره لضحاياه. فلا يجد، فتأتي صورة"الناقة العمياء"التي تسير على غير هدى، خابطة برجليها أمامها من البيئة، تعرض نفسها مثالا للحالة التي يعاينها الشاعر في فعل الموت. وليس في الموقف فلسفة مثلما زعموا. بل فيه ملاحظة وابتغاء المعادل المماثل. أو هي في عرفنا اليوم قراءة بالمماثلة. فإن غاب عن الشاعر قضاء الله عز وجل في آجال الناس، فإن فعل الموت لا يقدم في حصاده اليومي إلاّ ما تقدمه الصورة التي اختار الشاعر. وكذا الأمر في قوله:

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

ولكنني عن علم ما في غد عم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت