فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 154

إذ تحتل المعايشة للأحداث الدنيوية مكانة بارزة في نسج حقيقة هذا الاعتراف. لأن الشاعر تفاجئه الأيام بجديدها الذي يباغته، حاملا في طياته السار والضار، المعقول واللامعقول. وهو حين يقرر علم اليوم الذي طرأ، والماضي الذي انفرط، يقرر سلطة الخبر والرواية في إنشاء معرفته. ولكنه يظل أعزلا فيما يخص الغد/ الغيب. تلك المعرفة التي أتاحت للشاعر إنشاء تلك السلسلة من الحكم التي افتتح كل واحدة منها ب"ومن"لأنها نتاج الخبرة، والملاحظة، والتجربة.فهي دوما تحصل على نحو واحد مطّرد.

... ولا يبرح الموت يؤرق الشاعر العربي القديم، يبحث له عن معادل موضوعي، يقرب صورته وفعله، ويحاول فك لغز اختياره لضحاياه. إنه لا يختار الشيخ الهرم، ولا المريض المقعد، ولا الجريح المدنف.. بل يأخذ من الصحيح والعليل، والشاب والكهل، والفتى والعجوز.. وأخذه لا يخضع في عين الجاهلي لنظام ولا لمنطق. ولذلك وجدنا"طرفة بن العبد"يأخذ من واقعه صورة رمزية، قوية الدلالة من وجهين:

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى

لك الطول المرخى و ثناياه باليد. (4)

أما الوجه الأول، فصورة الطول الذي يرخى للدابة، حتى يسمح لها بالتنقل سعيا وراء الكلأ، وهو مشدود إلى يد أو وتد. والطول يستمد فاعليته من طول حبله، ومن المراس الذي يشده. وهي صورة تتكرر يوميا في حياة الأعراب. وأما الوجه الثاني فصورة الدابة نفسها التي لا تعبأ بِطَولها. فإذا أحللنا الإنسان مكانها، كانت حقيقة عمره ومقداره كحقيقة الطول وامتداده. يتناساه ولا يعبأ به، وهو في نقصان مستمر كلما تقدم به الزمن، وتقلبت به الأحداث، إلى أن يبلغ الطول نهايته، فيشدّه شدة عنيفة: هي الموت.

... كان الشاعر العربي يدرك ذلك جيدا، فلا يجعل للموت من سبب. لا المرض ولا الشيخوخة..لا الشجاعة ولا الجبن. إن الموت هناك في نهاية المطاف يكمن للساهي الناسي، وللمتيقظ الحساس. إنها الحقيقة التي عبر عنها"طرفة"أروع تعبير. واسمعه يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت