فهرس الكتاب
لعمرك ما أدري وإني لواجل
أفي اليوم إقدام المنية أم غد ؟
فإن تك خلفي لا يفتها سواديا
وإن تك قدامي أجدها بمرصد. (5)
قد نتوقف قليلا عند عبارة"وإني لواجل".لأنها تملك حظا كبيرا من الصدق والإنسانية. وهي عبارة تنمّ عن خلو الذات من النفاق، والتظاهر الكاذب. تطل من ورائها الفطرة التي لم تخالطها شوائب الأفكار المتناقضة. إنه إنسان يخشى الموت، ويخاف منه. لأنه يعلم أن وراءه زوال، واندثار، وبلى. والطلل شاهده الأول في حياته.وليس له إلاّ"اللحظة"التي تكتنفه، يهتبل فرصتها للذة والعيش، بما يتيحه له فقره أو غناه. والتعبير عن"اللحظة"حاضر في شعر"طرفة"حضورا قويا ملفتا. لأنه يدرك أنه يقف في نقطة بين زمنين: زمن انقضى لا يملك من أمره شيئا، وزمن قادم لا يعرف عنه شيئا، وليس له إلاّ اللحظة الشاخصة يصنع فيها لنفسه ذكرا، أو لذة، أو يستكين فيدعها تفلت منه فارغة خاوية. إنها لحظة في مقدورها صنع غده، إن كان له غد ! لذلك يقول:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
فدعني أبادرها بما ملكت يدي. (6)
والمبادرة في هذا المقام، هي اهتبال اللحظة لما يريده الشاعر من نفسه ولها. فالموت كما يعرضه في بيته السابق، إما أنه يقتفي أثره، ويلاحق سواده في دروب الأيام، وإما أنه يكمن له في شعب من شعابها و يترصّده. والصورة أكثر إلحاحا على الشاعر من غيرها لسبب بسيط، يقيمه الشاعر على قاعدة حسابية بسيطة، تجعل لكل ذات موتتها الخاصة. إنه يقول:
أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى
بعيدا غدا، ما أقرب اليوم من غد ! (7)