فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 154

وإذا حاولنا التأكد من العمر الذي يذرعه الإنسان - بحسب هذه الرؤية - تبين لنا أن العمر هو مجموع اللحظات التي اهتبلها الإنسان، وصنع فيها لنفسه ذكرا أو لذة. أما التي انصرمت دون أن تعقب بين يديه شيئا، فهي ليست له. بل في نفسه من انقضائها حسرات وخيبات. يقابل بينها وبين تلك التي نال منها اللذة، فلا يجدها إلاّ سويعات قليلة، لا تشكل إلاّ شطرا يسيرا من عمره كلّه. تلك هي مرارة الخيبة في الشعر العربي. وذلك هو مبعث التكالب على الشرب، وطلب اللذة، والحمد.

3-الدنيا، الدار والزوال:

... شدّد كثير من الشعراء على فكرة الزوال التي ترتبط بالدنيا ارتباطا يعززه التاريخ وتوالي الحدثان. ولكن الفكرة إن ظلت في ارتباطها ذاك، لا تستوفي حسها الدرامي في النفس.لأنها لن تتعلق سوى بالفكرة المجردة التي سرعان ما يتناساها الذاكر. لذلك اقترنت فكرة الزوال ب"الدار". وهو الاقتران الذي يعطي للاصطلاح حضوره المؤثر في حياة الفرد. ف"الدار"تمتح دلالتها من الاستدارة والانغلاق، وكأن فعلها ذاك يؤمن للإنسان حيزا ينعزل فيه عن غيره من الناس. فيستره العزل، ويؤمن له الراحة والأمن من جهة، كما يؤمن له ستر العيب، والسر من جهة أخرى. ولا يقف مدلول الدار عند الهم الفردي، وإنما يتسع ليشمل علاقات الجوار، والاجتماع، والمعاملات. وكأن الدار امتداد لصاحبها في المكان والزمان معا. وكلما قويت الدار واشتدّ ركنها، كلما كان ركن صاحبها شديدا متينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت