فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 154

... وإذا كنا قد قررنا أن دلالة الدار تنصرف إلى الاطمئنان، والأمن، والستر، فإن الشاعر يدرك أن ذلك الانصراف وقتي جزئي، وأنه أشبه بالمقيل تحت ظل الشجرة المتحول الزائل. فيمعن مرّة أخرى في تبديد هذا الوهم بإضافة نعت"الغريب"الذي يحمله المقيل في المسافر العابر، ويمرره إلى الدار. ولا تكون الغربة هنا بمعناها الأول، بعدا عن الأهل، والأحبة، والوطن، وإنما الغربة إمعان آخر في تحميل الدار دلالة الرحلة والسفر. فيكون المكان في وضعه ذاك حاملا لمعنيين متدابرين متناقضين: معنى الدار والأمن الزائلين، ومعنى الغربة والاغتراب الدائمين. عندها يقتحم مفهوم"الرحلة"و"السفر"و"العبور"مفهوم الدار اقتحاما يجعل الاطمئنان إلى دلالته"غفلة"وضربا من"الغرور".

... لقد اختار الشاعر لهذه الفكرة صياغة فيها من ضروب التركيب الأسلوبي، ما يجعلها منبها أسلوبيا يعمل في اتجاهين: مخاطبة الغريب مخاطبة غير مباشرة عن طريق (فقل) واستعمال الجملة المؤكدة ( إنك راحل) . وفي الأسلوبين مسحة من السخرية والجد في آن. نلمس الأولى من الصيغة غير المباشرة، وكأنها تعريض بالغفلة والغافل الذي يستنيم لخدر البقاء والطمأنينة، ونتحسس الثاني من التوكيد، وشخوص الجملة الاسمية خارج إطار الزمن. لأن الراحل سيرحل إن عاجلا أو آجلا. ولا مجال له لمخادعة نفسه برغبة البقاء والاستمرار. وأن منتهى الرحلة إلى قرار مظلم سحيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت