فهرس الكتاب
... إن الشعر لا يقول أشياءه في اللغة المعتادة. إن له من اللغة ألفاظا وتراكيب تمعن في خلق جو من المعاني التي تعمل عملها الدسيس في النفس، على مراحل. لقد اختار لفظ"المحل"عوضا عن"القبر". والمحل مكان لا صفة له، ولا تمييز. لأنه يتسع لكل حيز له خاصية الاشتمال على الميت وغيره. رمسا كان أو ردما، أم فضاء مفتوحا تتحلل فيه الجثة وتذروها رياح البلى. وهو ضرب من التعتيم الذي يشيع كثيرا من الخوف والتوجس، حتى ليتمنى الإنسان أن تكون نهايته إلى قبر معلوم أفضل من أن تكون نهبا لضواري السباع وجوارح الطير، تنهشها نهشا، أو قوارض الأرض تنخرها نخرا.ثم يمعن مرّة أخرى في إجراء التقابل بين"النائي"و"السحيق"، وبينهما من الفروق ما يجعل الأول للبعد، والثاني للعمق. فيكون المكان"القبر"على ظهوره المادي نائيا وسحيقا في آن ! إنها الفكرة التي أبدعها"ابن الرومي"في رثاء ابنه، عندما وقف على قبره يشاهد التباين عينه. واسمعه يقول:
طواه الردى عني، فأضحى مزاره
بعيدا على قرب، قريبا على بعد. (9)