فهرس الكتاب
إن تجاور القرب والبعد في الموقف الواحد، يفرض على النفس تحسس الفروق التي تلحق كل واحد منهما بالنسبة للواقف عليهما. هناك"قبر"و"منزل"، وهناك"بعد"و"نأي"، وهناك"سطح"و"عمق". إنها التعارضات التي تعطي للمكان الجديد خصوصية الحضور والغياب في آن واحد. حضور تشهده العين، وترقب مظاهره، وغياب تتحسسه النفس، وتستشعر آثاره.مما يعطي للمكان الجديد صفة"البرزخية"التي تفصله عن المكان المعطى، وترحل به إلى مسافة ما بين الدارين. خارج الظرف الزماني الحياتي.فهو ماثل فيه مثول المادة، غائب عنه غياب الروح. وقد عبرنا عن هذه الحالة ب"البين بين"، وهو التعبير الذي يظل عاجزا عن استيفاء حق المكان"البرزخ"لأنه يخرج عن كل مقايسة دنيوية. وكل ما يستطيعه العقل، والقلب إزاءه، هو إنشاء هذه السلسلة من التعارضات بين النعوت. وعندما يستشعر العجز إزاءه ينصرف عنه مرة أخرى عائدا إلى الشاهد.. إلى الدار الدنيا ممعنا في وصفها، وفضح هشاشة بنائها، وسرابية وعودها.. إن الشاعر يعود إليها قائلا:
وما تعدم الدنيا الدنية أهلها
شواظ حريق، أو دخان حريق
فلا تحسبن الدنيا إذا ما سكنتها
قرارا فما دنياك غير طريق. (10)