فهرس الكتاب
لقد حتمت إزالة كل فضيلة عن الدنيا، وتحويلها إلى مجرد"طريق"تعبرها قوافل الناس منذ فجر البشرية، أن ينعتها الشاعر بالدّنية إيغالا في دناءتها وسقوطها. إذ هي تقابل الإقبال عليها بلفح الشواظ، ونتن الدخان. وما يحسبه الغافل متعة ولذة، إنما هو ألم، أو يعقب ألما. فإذا حولنا الدنيا إلى طريق، أزلنا عنها صفة المكان الساكن، وأكسبناها صفة الطريق الممتد، الذي يوصل إلى قرار. وصفة الطريق تزيل عن المكان ما يلحقه من ملكية وعمران، ويرفع الصورة من الاستقرار إلى الحركة.فإذا هي تنقلب إلى جماعات وأفراد يفدون تباعا في اتجاه واحد، إلى غاية واحدة. ذلك هو صنيع الشعر في جوهرية مقاصده، إذ القصيدة تحاول:» تنمية الوجدان لكي يصبح وجدانا جمعيا، مثلما تحاول تنمية العقل ليكون انفعاليا. ومن هنا يدخل القارئ بكل قواه العقلية و الوجدانية، ليكون فاعلا مشاركا في صناعة النص.فهو- هنا - ينتج نصا، وليس يستهلك قولا، أو ينفعل بتعبير.« (11)
... إن مشاركة القارئ في تجلية خصائص المكان، لا يكون من خلال التلقي الساذج السلبي، وإنما المشاركة بانفعال في المنبهات التي يزرعها الشاعر في نصه. فإنها تعمل على صعيدين في آن واحد: صعيد إحداث الصدمة الانفعالية حين لقاء المتلقي بلغة النص، وصعيد فتح سيل الصور الوجدانية المنثالة عن طريق التخييل، حين التوغل داخل تعتيم الصياغة الأسلوبية. وهي الحالة التي تنزع من العقل شخوصه المنطقي لتسبغ عليه شطرا من حساسية القلب. فيتجاور العقل والقلب لتدبُّر الملاحظة، وما يرافقها من تحويلات رمزية، تفتح النص على فائض النص.