فهرس الكتاب
... كلما ضاق مجال الفن، وضاق وسيطه، لجأ الفن إلى تقنية التوسعة الرمزية. وهي ضرب من تمديد الحدود ودفعها بعيدا في إطال المجال النصي. وكأن الفن - وهو يدرك ما بأدواته من ضيق وقصور - يفتح منافذ أخرى لاستزادة المعنى، وخلق التداعيات التي تعطيه - في أثر رجعي - ما يشبه التمدد والتجدد. والشعر من هذا القبيل الذي يفطن دوما إلى حدوده النظمية، فلا يركن إلى سعتها المحدودة. بل يحوِّل الاتصال بالقارئ من مجال الإبلاغ، إلى مجال الجمال. وفي هذا التحويل تفقد اللغة إشاريتها المعهودة، لتتلبس رمزية تكتنز في كل صورة من صورها احتمالات شتى لإنشاء المعنى. عندها قد نتحدث عن مقصديات النص الشعري، وعن مقصديات النص القرائي.وكأننا إزاء نصين، لا نصا واحدا. واللغة الأدبية أكثر حذرا في التعبير، وفي التعامل مع اللغة ذاتها. لأن الشاعر:» يستعمل اللغة استعمالا جماليا، وليس استعمالا اتصاليا.« (13) وكلما كان التأكيد على الاتصال تراجعت الشعرية فاسحة المجال أمام الإعلام. كذلك الأمر، إذا كان التأكيد على الأدبية تقاصر الإعلام وتراجع، لاختلاف القناة اللغوية التي يسلكها الإعلام والشعرية. والتأكيد على الاتصال الجمالي، يعطي للوسيط اللغوي حركية التمدد لملامسة تخوم الرمز. ولهذا السبب ألحق الدرس الأسلوبي بالرمز أربعة شروط لمعرفته:
-الخاصية الشكلية التصويرية: أي اعتبار الرمز - لا في حد ذاته - وإنما فيما يرمز إليه.
-قابليته للتلقي: أي أن هناك شيئا مثاليا غير منظور، يتصل بما وراء الحس، يتم تلقيه بالرمز الذي يجعله موضوعيا.
-قدرته الذاتية: أي أن للرمز طاقة خاصة به، منبثقة عنه، تميزه عن الإشارة التي لا حول لها ولا قوة في نفسها.
-تلقيه كرمز: مما يعني أن الرمز عميق الجذور اجتماعيا وإنسانيا، ويصبح من الخطأ تصور قيام الرمز ثم تلقيه بعد ذلك. لأن العملية تحول الشيء إلى رمز وتقبله على هذا الأساس، تعد عملية واحدة لا تتجزأ على مراحل. (14)