فهرس الكتاب
ومنه تكون الإشارة إلى الملوك والعبيد عنصرا جديدا في القسمة التي أحدثها الشاعر في الدنيا. وقد يحسن بنا دائما أن نسجل غياب الوسطية في ذلك التشطير. وكأن منطق الذم يجنح دوما إلى النفي الخالص والسلب الخالص، ويتغاضى عن ذلك الوسط. إمّا لأنه لا يراه إلاّ وهما يعتقد أصحابه أنهم كذلك، وهم في حقيقة الأمر أقرب إلى الطرف الحضيض منهم إلى العالي. وذلك الوهم له في واقع الناس ما يعززه. فالطبقة الاجتماعية الوسطى تسعى جاهدة للانفلات من الطبقة الدنيا، فتتنكر لها سلوكا، ولغة، وعادات، وتجتهد في اللحاق بالأخرى، ولا تنال منها شيئا. وهي في وسطيتها تلك تضمر سائر العقد، والأفكار، والضغائن. ومنها يفرز الواقع أكثر فكره المتطرف الثوري. وشطر الدنيا على هذا النحو الحاد يذكر هؤلاء وهؤلاء بالمواقع الحقة التي يحتلونها في الدار الفانية.ومهما استكثر هؤلاء جمعا فإنهم لن يبلغوا معشار ما يكاثر أولئك !
... ثم يمضي الشاعر نازلا من التعميم إلى التخصيص، ومن حديثه عن الطبقات إلى ذكر الإنسان..إن الإنسان هنا يمثل مطلق الفرد، أيّا كان ذلك الفرد، وأيّا كانت طبقته.ففيه تستوي الملاحظة التالية، لأنها سارية على الجميع.لا يفلت من طوقها أحد من الناس. لكن الشاعر يختار لها مقابلا يشبهها في فعلها الاشتمالي الذي يكتنف الجميع. إنه"الليل"و"النهار" ( الصبح) . وهنا كذلك قلب جديد للتناظر السالف ( بيض/ سود) ( ليل/ صبح) لأن قلب التناظر على هذا النحو يوحي بسريان القانون: قانون الفناء في كلا الاتجاهين. وتوالي الليل والصبح، ظاهرة كونية لا يستطيع الإنسان دفعها مهما فعل. ويقابلها فيه
(نعسان/ مستيقظ) وفي المادة (ماء/نار) .