فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 154

... جاء في الحديث الشريف"أن الناس نيام وإذا ما ماتوا استيقظوا" (16) ونومهم هي الغفلة التي تحدثنا عنها آنفا. ونومهم ذاك يمنعهم من مشاهدة آثار التحول التي تعتري الدار، وتعبث بالأقوام، والأمم، وتضحك من إصرارهم على التملك والحيازة. فهم في فعلهم ذاك سادرون، لا يأبهون للأنفس التي تُتخطَّف من حواليهم. قد تدمع لهم عين، ويرق قلب، ويختلج وجدان، ولكنهم لا يتصورون أبدا أنهم معنيون بالقضاء.فإذا حلّ بواحد منهم صار بصره حديدا، وأدرك اليقين. إنها اليقظة التي عناها الحديث الشريف، بيد أنها يقظة بعد فوات الأوان. وإذا كان الحديث قد عمّ سائر الناس على سبيل التغليب، فإن الشاعر - عملا بالتقابل - خصّ البعض باليقظة. مادام فيهم من يذكر الدار بالذم، ويحذر الناس من الاطمئنان إليها..ألم يقل:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت

له عن عدو في ثياب صديق.

وإذا انتهى الشاعر إلى هذا المستوى من التخصيص، عاد ثانية إلى النظرة الشمولية التي تجعل صنيع الدنيا واحدا في الجميع. إذ يستوي عندها الشريف والوضيع، السيد والمسود، الحر والعبد، الشيخ والوليد، الذكر والأنثى.. إنها لا تبصر فيهم إلاّ وجودا واحدا، تسير به إلى نهايته المحتومة. أليست طريقا وحسب؟ يعبرها المارون زرافات ووحدانا ! إن عقل الشاعر يشتغل بطريقة خاصة. إن الفكرة التي تسكنه تريد الخروج لتعبر عن هذه الحقيقة الجديدة. ولكن الشاعرية تبحث لها عمّا يعادلها في التصوير، حتى تأخذ الفكرة بعدها الكوني الجبار. ولا يجد لها خيرا من صورة الأنجم الزهر، بعضها قريب لامع، وبعضها بعيد باهت، ولكنها كلها تدور في فلك واحد، وتجري لمستقر واحد. وهي حركة كبيرة موّارة، تعطي للفكرة بعدها الكوني الذي يجعلها قضاء فوق الإنسان وتدبيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت