فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 154

... إننا عندما نراقب الصياغة، ندرك شيئا من العنت الذي يواجهه الشعراء حين يحتضنون الفكرة، ويعسر عليهم بعدها إيجاد اللغة الملائمة، والصورة المواتية. وكم من فكرة أزرت بها الصورة، ولم تعطها حقها، بل تخونتها واعتراها النقص من ناحية الإخراج. وفي المقابل كم من فكرة بسيطة أعطتها الصورة الملائمة مجالا دلاليا ارتفع بها من السذاجة والسطحية إلى رحاب التفلسف العميق. لقد فطن النقد الفني إلى مسألة التفاصيل التي تجعل الصورة على هذه الدرجة من القوة. لأن فاعلية التفاصيل تخلق الألفة بالصورة، إذ تعرضها في شتى أبعادها. وقد احتاج"محمد العيد"إلى بيتين كاملين لاحتواء الفكرة في نطاق الصورة. إنه يقول:

والأنجم الزهر: هذا النجم مرتفع

زاهي الضياء، وهذا النجم منهار

تبدو على الأفق أشتاتا ويجمعها

في سيرها فلك في الأفق دوار.

وإذا رحنا نجزئ الصنيع الفني، قلنا إن الفكرة تنتهي عند التقابل بين الارتفاع والانهيار، واجتماع الكل في مسار واحد هو الدنيا. وأن الصورة تبدأ عند مراقبة السماء بأنجمها المنثورة في الفضاء المديد، بين سطوع باهر، وخفوت وامض، وجماع الكل في الحركة الكونية الواحدة. وارتباط الفكرة بالصورة يتم على مستوى التقابل من ناحية، وعلى مستوى المشابهة من ناحية أخرى. بيد أن الألفة بالصورة على هذا النحو لا يبقيها في هذا المستوى من العطاء الدلالي. بل تنمي الألفة إحساسنا بالتأثير الكلي للعمل الفني، وأن الوعي:» بالتفاصيل يؤثر في تفسيرنا، فحين نعود إلى العمل نرى فيه أشياء جديدة.. فازدياد المعرفة يجعل إحساسنا بالتأثير الكلي للعمل أكثر تحديدا ودقة.« (17)

5-حركية النكوص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت