فهرس الكتاب
... لمحنا في الشعر العربي، حركة داخلية، سميناها الانصراف، وعللناها بالعجز عن المجابهة. عندما يقف الشاعر حائرا عاجزا عن استنطاق الصمت المجسد أمامه في الآثار. وقلنا إن سلطة الطلل آتية من هذا الباب، ترد عنه جميع المحاولات التي رامت التجسس على أسراره. ولكنها عادت تنكر فعلها، وتعلن عن عدم جدوائية مساءلاتها. ورأينا كيف حاول الشاعر الحديث - الملحاح - أن يجعل حركة النكوص تراجعا استراتيجيا ليعاود الكرة على الطلل، وقد غير النظرة والزاوية. وكيف أن المحاولة قد تثمر جديدا، أو قد تبوء بالفشل.
... إن"محمد العيد"ينهج السبيل عينه. لم تغن المتقابلات، ولم تشف غليله، وكأن هناك تخوما أخرى يتحسسها في نفسه، ولا يجد لها سبيلا واضحة، ولا تستوفيها المتقابلات حقها. إنه يجد في نفسه متاهات غامضة المسالك والمعاني، ولا يجد لها في لسانه المفتاح الذي يفك أقفالها، ولا النور الذي يفضض عتمتها. وحركة النكوص عنده يسجلها على النحو التالي قائلا:
يا دار هل فيك من هاد ليرشدني
فإنني مستريب فيك محتار.
همي تقسَّم أشطارا، و لن تجدي
من همه مثل همي فيك أشطار.
يعروه خفض ورفع في تنقله
كأنه كلا يذروه إعصار.
... وهي في صلب النص تؤدي وظيفتين على الأقل: إنها محو لنص التضاد، وتقليل لفائدته. وهي تلمس جديد لسبيل تعطي للصياغة وتيرة أخرى غير وتيرة التشاكل.