فهرس الكتاب
... إن عملية المحو ضرب من المجاز، وليس المحو إلغاء لشطر من القصيدة، بل المحو في هذا المقام عملية انصراف جديدة كالتي رددها بعض شعراء المديح قائلين صراحة:"دع ذا"تاركين الغزل الذي استهلوا به القصيدة إلى الغرض الذي من أجله جاؤوا الممدوح. وفي كلمة"دع"تهوين من شأن المطلع الغزلي أمام الغرض الأصلي..وهو محو صريح يريد الشاعر من ممدوحه أن لا يلتفت إليه على وجه الحقيقة. أما المحو هنا فعملية أخرى مرادها أن تقول: إن الشطر الذي سلف لم يؤد واجبه حق الأداء، وإن الشاعر غير راض عنه، وإن مراده الآن أن يجد منفذا آخر لمعاودة الكرة على الدار.
... إن شرط النكوص والمحو أن تتغير الصياغة، وأن تتبدل الوتيرة، وأن تسكن النص نغمة جديدة. فإن لم يحدث من ذلك شيء كانت العملية كاذبة في أساسها، أو هي مجرد زيف وتدليس، سريعا ما يظهر مينه، ويُفتضح ادعاؤه. لذلك وجدنا"محمد العيد"بعدها يلتفت إلى"حكيم المعرة"في عزوفه عن الدنيا، ورفضه أكل لحم كل ذي روح، ورفض الزواج، وتحاشي اللذات. وإلى منكر البعث من الملاحدة. وفي هذا الشطر من القصيدة يختفي التقابل والتشاكل، وينتهي التأرجح بين الطرفين المتناقضين، و يسكن القصيدة روح من الاسترسال وراء واقع الناس.