فهرس الكتاب
... وتتأتى شدة التعقيد من التكثيف الذي يلجأ إليه الفن عادة، ومن اقتصاد اللغة. ذلك أن الفنان لا يلجأ إلى عناصر الموضوع جميعها، يدرجها على نسق واحد في العمل الفني، وإنما يتخير منها ما كان أكثر تعبيرا عن دواخل التجربة الجمالية التي يعانيها أولا. ومن ثم تغدو العملية أشبه شيء بعملية تصفية للموضوع من الشوائب الزائدة التي تثقله، والتي قد تشوش عطاءه الدلالي الذي ينتظره منه الفنان. فيغدو العنصر المكون للموضوع أقرب إلى الأيقون الذي لا يحيل على ذاته، وإنما يشير إلى ترابطات دلالية من الكثرة والتعدد، ما يجعل العنصر الواحد أكثر فاعلية في القراءات المتوالية. وعبقرية الاختيار، عبقرية تقع مسئوليتها على عاتق الفنان الذي يعرف من موضوعه ما لا يعرفه المتلقي ابتداء. وإذا شئنا لذلك تمثيلا، قدمنا قصيدة للأمير عبد القادر الجزائري.والتي تناول فيها المفاضلة بين البدو والحضر. بيد أن هذه القصيدة تحتاج إلى سياق خاص حتى يضبط التلقي القناة التي تسلكها اللغة في تعاملها مع عناصر المكان. وتلك معرفة ضرورية لفتح منافذ التقبل عند القارئ، لأنها ستجعل الشاعر والقارئ على وتيرة واحدة من البث. تنتظم فيها الإشارات والدلالات انتظاما محكما يفضي إلى نتيجة جمالية واحدة. ولا نزعم أن النتيجة التي وصفناها بالواحدة، هي واحدة عند الجميع، ولكننا نقصد من الواحدية ذلك الهدف الذي يحمله قصد الشاعر، وإن تعدد القصد الذي يحمله النص.والقصد الذي تتكفل به الرسالة الجمالية.
5-لوحات الشعر الجمالية: