فهرس الكتاب
... إن هذه المهمة ستلقي على الشاعر ثقل اختيار المشاهد المعبرة عن الحسن، وتخيرها من بين غيرها، وتصفية عناصرها من الشوائب التي قد تشوش جمالها، وتقديمها في أطر زمانية ومكانية تجعل الحواس تستيقظ لتلمس ما فيها من سحر وجاذبية. إن دور الإطار مهم في هذه العملية. إنه المنظم لشعث الصورة، والموزع لعناصرها على مساحة المشهد. فإذا كان الإطار ضيقا، أو فضفاضا أفسدت السعة، أو الضيق جمال العناصر وأفقدتها فاعليتها الدلالية الموقوفة عليها. ذلك أن الإطار:» ينظم الموضوع الفني ويوحده، وأن هذا أمر له قيمته، لأنه يربط بين أطراف تجربتنا التي لن تكون بغير هذا الإطار إلا مشوهة، لا شكل لها.« (8) وكأن الشاعر بحاسته الدقيقة يدرك خطورة هذا الموقف، فيمهد له تمهيدا حضاريا يشمل السياق العام للنص، وتمهيدا جماليا ينتظم الموضوع الجمالي في كليته.ولذلك رأيناه يستنجد بآراء من سبقوه في المسألة. وحضور"المعري"في البيت الأخير من القطعة دليل على أن الشاعر، لا يجد للجمال منفذا واحدا، يقصره على الذوق الذاتي المتقلب، المرهون بالمزاج المتحول. بل يجعل قضية الجمال تحتكم إلى النقل والعقل معا،فإذا وافق النقل والعقل في مسألة من المسائل، كان ناتجهما الحق الذي لا تعدد له، لأنه أبدا واحد. والشاعر حين يجنح لمثل هذا التخريج لا يريد أن يكون موضوعه الجمالي قائما على رومنسية فيها من الشذوذ الذاتي القسط الذي يفسد عليها كل موضوعية، إنما يريدها - وإن تشبعت بنوستالجيا الوطن والأهل - تحتفظ في ذاتها بكثير من الحق الذي يعطي للمناظرة وجهها الجاد والجدلي.