فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 154

يتغير الإطار الجديد للصورة، فإذا هي صورة متحركة، مليئة بالأصوات وحمحمة الخيول وهي تعلك ألجمتها. إن الغربي يرى فيها الصورة الزيتية لحملات الصيد التي كان الأرستقراطيون يعدونها لضيوفهم.تتعالى فيها أصوات الأبواق التي تستحث الكلاب للطراد..غير أنها هنا تختلف في كثير من مشاهدها. وأول اختلاف في زمنها البكور. فالبكور يجعل الصيد مقبلا على الكلأ، بعد هدأة الليل وطوله. وهو تقليد عربي بعيد. نجد حضوره عند امرئ القيس في الجاهلية. وهو من ناحية أخرى أنسب الأوقات للخيل والفارس، وأنشطها على الإطلاق.

... إن الزمن في الصيد، يأخذ أبعاده من طبيعة العربي أولا، ومن طبيعة أرضه ثانيا. ولا تستوي الأزمنة بالنسبة للصيد والصائد، وإنما هو زمن واحد. إذا فاته، فاته الخير كله. وإذا كانت حملات الصيد عند الغربي تقوم على نفخ الأبواق ونباح الكلاب، فإنها عند العربي حركة سريعة صامتة هدفها المباغتة التي تجعل الصيد يدرك طرادا وملاحقة..فصيد الصحراء لا يعتمد التخفي والتستر والتمويه، شأن وحش الغابات، وإنما اعتماده على العدو وسرعته في الفضاء الواسع للصحراء. لذلك كان الضجيج عند الغربي مبعثا على إثارة الطريدة. وكان الطراد والملاحقة دركا للصيد عند العربي. وفي هذا المقام يكون المعول الأول على أصالة الفرس، ومهارة الفارس. فالفروسية في الموقف العربي ضرب من الأخلاق قبل أن تكون ضربا من القدرة. لأنها مرتبطة بالحياتي اليومي للعربي. فإذا كانت هناك تسلية وزينة، فإنها هنا ضرورة ومعاش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت