فهرس الكتاب
إن الشاعر العربي لا ينتج شعره في غنائية الذات المفرطة..أي أنه لا يترك للذات سلطة التملك الكلية التي تنسيه الموقف الذي من أجله ينشد شعره. وكأني بالأمير وهو يسترسل من صورة إلى أخرى، يبقي طيف المُناظِر حاضرا أمامه كل حين. هذا المُناظِر الذي ينتظر منه الهفوة التي تبيح له نقد الرؤية الجمالية التي يقدمها خصمه. صحيح أن الموقف: موقف الصيد والحرب، والنجدة والإغاثة. موقف رجولي لا حضور فيه للمرأة. ولكن الشاعر يدمجها في الصورة في ظرف من اللين والرفق. فيجعل لها المهاري التي تحملها هوادج مزينة تتهادى بها يمينا ويسارا، بعيدا عن السرعة التي تخضها خضا.إنه يستثنيها حفاظا عليها، وصونا لها من الضرر.
... إنها الصورة التي أثارها قبلا، حين قدم لوحة الرحيل والظعن، لما قال:
... يوم الرحيل إذا شدّت هوادجنا
... شقائق عمّها مزن من المطر
... فيها العذارى، وفيها جعلن كوى
... مرقعات بأحداق من الحور. (11)
لقد كانت لوحة الهودج مما يستملح العربي، كما كانت مثار الأسى والحزن الذي ظل ملازما له حين الوقوف على أطلال الديار التي تحول عنها أهلها. إن الرحيل بالنسبة له تغيير للأفق، وتجديد للمناظر، وانفتاح على مجالات جديدة. بيد أنه من ناحية أخرى مفارقة للإلف والعادة. فقد تفترق القبيلة إلى شُعَب وبطون.. وفي افتراقها تصرم لحبال الحب والوجد. إن فيها من الحرمان ما يؤرق الفتى العربي، ويحدث في قلبه الصدع الذي لا يرأب، والكسر الذي لا يجبر. لذلك كانت الرحلة دائما ذلك الهاجس الذي يعمر حياة العربي بالخوف والرجاء. ويملأها بالأمل والترقب. غير أن كثرة الأطلال تشهد على الفاجعة التي أضحى الشعر العربي ينشدها أبد الأزمنة، وعلى ألسنة الشعراء جميعهم.