فهرس الكتاب
... كثيرا ما يكون التصور الذي يحمله الباحث في قرارة نفسه، أول الأمر فكرة غامضة، في حاجة إلى إطار يمكنها من التجسد والظهور. وإذا اكتسبت هذا الإطار تبدت فيها مسافات لا قبل للتصور الأولي الذي سطره الباحث قبلا، وبانت حاجتها إلى إضافات تتوسع لتلامس تخوم الحقول المعرفية المتاخمة للحقل الذي يشتغل فيه الباحث. ومن ثم يظهر الجهد الفردي لمحاصرة الظاهرة ضربا من العبث الذي لا طائل وراءه. وبدت المسافات في حاجة إلى فريق باحث يتحاماها حتى يوسعها بحثا وتنقيبا. وفكرة الفريق الباحث فكرة متجذرة في القدم في الثقافة العربية. لأننا إذا أخذنا مباحث النحو العربي، أو الفقهي، أو التفسير، أو غيرها .. وجمعنا ما ألفه السلف فيها، ألفينا الجهود الفردية تصب كلها في قناة واحدة. وكأن الأمر يقوم على اتفاق ضمني يجعل نشاط الآحاد منهم، وكأنه نشاط جماعي يقوم على اتفاق مبدئي لدراسة المبحث الواحد.
... ولا نزعم أن الفكرة كانت على النحو الذي نتخيله اليوم، ولكن قراءة التأليف العربي القديم، وفحص منهجيته، يكشف عن التأسيس الذي يعطي للمتقدم حضوره في البناء المعرفي الناشئ للمبحث، من دون إلغاء، أو تجاوز. وعندما نحلم نحن بالفريق الباحث نجد له في أنفسنا صورة الجماعة التي تتعدد اختصاصاتها وتختلف اهتماماتها، ولكنها تتفق في تحديد الظاهرة المراد دراستها. وتصب الجهود أخيرا في تأليف واحد يجمع خلاصات الأبحاث، ولا يكون تقريرا نهائيا مغلقا منتهيا، بل يقدم من خلال إفرازاته"قراءة"للظاهرة، في لحظة حضارية ومعرفية معينة، قد تسعفها الأيام والمعارف المستجدة بما يثريها ويضيف إليها ما فاتها من قبل. ولا نفهم من نشاط الفريق القارئ أن البحث ينفض يديه من الظاهرة حالما تصدر النتائج ليحول وجهه شطر ظاهرة أخرى، فذلك ادعاء باطل من وجوه كثيرة. وأخطر ما فيه أنه قتل للظواهر المدروسة، وإبادة لشطر من الإنسان نفسه.