فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 154

لقد استطاعت العين المدربة التقاط جملة الطلل دفعة واحدة، وجاءت اللغة المواتية لتجعل أعالي البناء تعانق صخور الأساس. وقد طوي البناء طيا. غير أن الحركة المعنوية يتخللها التشخيص الذي يعطي للدمار حسه الدرامي.. فإذا أنشأنا المقابلة بين ماضيه وحاضره، كان لنا منها ذاك البناء الشامخ الذي تأنف أعاليه وبروجه أن تخفض الطرف نحو القاعدة.. بل تمعن في رفع رأسها إلى عنان السماء إمعانا في الكبرياء والتعاظم. بل يحق لنا أن نحول الصورة قليلا عن الإطار المادي، فإذا بالطبقة العلية من ملوك وسادة، تتفيأ شرفاته، ولا تلتفت إلى الطبقات التي ترفع قواعده.. و كلما شمخ البناء كانت أعداد المقهورين مضاعفة.. ولما حدث الدمار، راحت الطبقات العلية تتساءل عن سبب الكارثة وتبحث عن الأساس الذي لم يعد قادرا على حملها..

... إن الحركة التي اختارها الشاعر لوصف الأنقاض - حركة الأعالي الباحثة على الأساس -، فيها من الانفصال - انفصال الذات عن موضوع الملاحظة - ما يخولها مشاهدة المنظر حسيا، وتميز صخور الصرح، وأعمدته، و صخور الأساس، هي مرتمية بعضها فوق بعض. لا علو ولا شرف، لا برج ولا أساس. أما الاتصال - اتصال الذات بالموضوع - ففيه من التلمس المستبطن، ما يعطي لكل صخرة من الصخور رمزيتها وحياتها، فيتحول المشهد إلى شيء آخر أعظم فداحة من الأول، وأشد خطبا. لقد زال كبرياء العالي، وانكب على وجهه يسأل عمن كان في يوم من الأيام عماد ملكه وجبروته. ووقفة أمام أهرامات مصر قد لا تحدثك عن عظمة الفراعنة بقدر ما ترفع إليك آلام الملايين الذين سخّرهم الكبرياء المتجبر، وسلب منهم عرقهم، ودماءهم، وأرواحهم، وكتب عليهم الشقاء أبد الآبدين. قد تسمع من وشوشة المكان الصراخ والعويل والأنين.. قد تسمع فرقعة السياط والعصي..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت