فهرس الكتاب
... إن الانفصال يكرّس الملاحظة الخارجية الواعية، ويفتح النفس على منافذ التأمل، لأنه يمكن العين من احتواء المكان احتواء تعيد من خلاله ترتيب عناصره، وفق الأحاسيس المصاحبة للآن الفني. بينما يكرس الاتصال الملاحظة الباطنية التي تسمح للمكان باحتواء الذات. وهو احتواء دمج، لا احتواء استلاب. لأن الدمج يحتفظ للذات بقدر من وعيها وانفصالها، أما الاستلاب فطغيان المكان كلية على الذات. وقد فطن"أبو ريشة"إلى ذلك الطغيان، فقال محذرا نفسه:
... قفي قدمي إن هذا المكان
... يغيب به المرء عن حسّه.
وكيف يكون الغياب، إن لم يكن استلابا وطغيانا للمكان ؟ حينها قد تعقد الرهبة لسانك، وتغلق منافذ تأملك، فيتعلق طرفك بالمكان مشدوها لا يقوى على شيء، ولا يعلق بخاطرك بعد الفراغ من الجولة إلاّ معنى العظمة والكبرياء، وذلك ما أراده أهل البناء من صرحهم قبلا. أما الطلل فيريد غير ذلك مطلقا.. لم يعد الطلل ملكا للفراعنة، ولا الإيوان ملكا للأكاسرة، ولا الطلل الذي نعاين ملكا للرومان. لقد غدا ملكا للشاعر والقارئ، يُمَلِّكُه الدهر كل عين ترى فيه مصرعا للكبرياء، وإذلالا للطغيان، وفناء للفناء.
... إن"الذهول"حالة وسطى بين الوعي والاستلاب، وهي حالة شبيهة بالضباب الشفيف الرقيق الذي يتيح الرؤية، ولكنه يمحو المسافات، وينتزع من الأشكال حدّتها. فالذهول مدخل لطيف للتأمل، لأنه الحركة البطيئة التي تتعمدها السينما حتى تمكن المشاهد من تملي اللقطة السريعة، والتدقيق في جزئياتها. وكأن الزمن فيها يتباطأ عمدا حتى تتمدد الأشكال والأحجام فتبرز واضحة - وضوحا خاصا - للعيان. ولولا الذهول ما استطاع الشعراء التوقف عند أدق الدقائق من الأحاسيس المرهفة التي يستخرجونها إخراجا. قد نرى فيه - نحن - عنتا وإرهاقا، بينما هو أشبه شيء بالمكاشفة الحالمة. يقول"عمر أبو ريشة":
... أقلب طرفي به ذاهلا
... أسأل يومي عن أمسه.