فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 154

إن الذهول يتيح له إبقاء نافذة الحاضر موقدة، ومنه تأتي المقابلة بين اليوم والأمس، يوم الشاعر وأمس الطلل. بيد أنها المقابلة التي لا تتوقف عند حقيقة الزمن وتحولاته وحدها، بل تتعداها إلى شيء آخر يفصح عنه سيل الأسئلة التي تتوالى على لسان الشاعر دفقا واحدا متصلا. نعم هناك بون شاسع بين الأمس واليوم، ورسم الزمن وخطه واضح الدلالة، ولكن اليوم ظرف كما أن الأمس ظرف آخر. إن الزمن مجرد إطار. زمن الشاعر: همّ وضجر، وبحث عن شيء من فراغ البال والتسلية، وهروب من المدينة. وزمن الطلل حياة انتهت إلى خراب وزوال. كيف ؟

... أكانت تسيل عليه الحياة

... وتغفو الجفون على أنسه ؟

... وتشدو البلابل في سعده

... وتجري المقادير في نحسه ؟

... أأستنطق الصخر عن ناحتيه

... وأستنهض الميت من رمسه ؟

... حوافر خيل الزمان المشت

... تكاد تحدث عن بؤسه.

ما أقرب الأمس من اليوم ! وما أبعده ! إنه صوت"لبيد":

... وقفت أسألها، وكيف سؤالنا

... صما خوالد ما يبين كلامها ؟

شيء من العجز والقهر، يحولان دون مواصلة الحفر في أعماق الماضي. إن حجاب الصمت صفيق ثقيل، لا يمكن رفعه! كيف السبيل إلى دفع هذا الغيب ؟ إن حركة الانصراف التي لاحظناها في الشعر الجاهلي تبدأ من هذا العجز. شاعر يحوّل وجه راحلته وينصرف، وتتحول معه القصيدة، وتنصرف إلى غرض آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت