فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 154

... لقد تحدث النقاد عن تفكك بناء القصيدة الجاهلية، وتعدد أغراضها، ولم يفطن أحد منهم إلى هذا العجز الذي يسبب الانصراف، ويلوي عنق الراحلة والقصيدة معا إلى وجهة أخرى. لقد كان الشاعر الجاهلي متواضعا أمام المكان، راضيًا بالقسمة التي قسمت له. يقبل بالنزر القليل. أما الشاعر الحديث فملحاح، ولكن إلحاحه لا يعود عليه بطائل. إن تقهقر"عمر أبو ريشة"أمام الصمت رغم ضجيجه، وعلو أصواته، وتداخل لغطه، يوقع الشاعر في حيرة. من أين يبدأ؟ من ساعات الأنس والمرح واللهو ؟ أم من ساعات النكسات والنحس ؟ أم من بؤس الناحتين و البنائين، والخول، والعبيد؟ من الذين ذهبت أعمارهم هباء في رمال الصحارى، وغبار المحاجر ! الأولى أن نبحث عن عدد المقابر التي كانت على مقربة من البناء العظيم ! كم أزهق الهرم من روح ؟ كم طحنت الحجارة من جسد ؟ كم رمسا شُقّ ؟ كم ردما رُدم ؟..

... إن العجز هنا مبعثه هذا الكم الهائل من الأسئلة. إن الشعر لا يتسع لها، ولا لبعضها. إن واجبه الأول أن يعلمنا كيف نقف على الطلل ؟ كيف ومتى ننفصل ونتصل ؟ كيف نحذر من الاستلاب ونستفيد من الذهول. وحركة النكوص عند الشاعر لا تعني أبدا أنه ينفض يديه من الموضوع، ويتخلى عنه جملة. إنه يبحث عن لغة فوق اللغة، بإمكانها إرضاء الشعر وشروطه النظمية، وإرضاء الموقف وفداحته. وتقليب الطرف يصاحبه تلقائيا تقليب صفحات اللغة داخليا. إن البحث جار على صعيدين في آن. عين تبصر، وعين تتبصر، حتى تنبثق اللغة صدعا، وكأنها تحمل ما يحسن مخرجا وتخلصا في آن. واسمعه يقول:

... حوافر خيل الزمان المشتّ

... تكاد تحدث عن بؤسه.

ففي هذه"اللغة"- واللغة هنا أقصد بها الملاءمة التي استعرناها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت