فهرس الكتاب
"أرسطو" (6) - تتبلور الصياغة التي يوكل إليها تحديد موقف الفنان من موضوعه، وتحديد عمق النظرة إليه. وقد اختار الشاعر صورة الكوكبة من الفرسان التي تقتحم الجموع فتبددها، وتشتت شملها. وفي الحركة الحسية تداع لآلاف الصور التاريخية، التي يسهل استدعاؤها لمثل هذا الموقف. أما كلمة"بؤسه"فتأكيد لعدم الاستلاب، وتجاوز مظاهر العظمة التي تحول دون استبطان الأسرار الدنيا لعامة الناس. وكأني بهذا البيت - الذي كان يصلح لأن يكون قفلا للقصيدة، تنتهي إليه الشحنة العاطفية التي تتحدر من أعالي القصيدة - إتاحة أخرى للشاعر أن يعود إلى وعيه الأول، ويجدد الصلة بالطلل. بيد أنها صلة لم يعد الذهول يخالطها، ولم تعد الدهشة تلوّن خلفياتها. إنها عودة فيها كثير من الازدراء والاحتقار للعظمة الكاذبة، والكبرياء المهزوم. عودة تبحث في الطلل عما يدين أهل الطلل الأوائل، ويمرغ أنوفهم في التراب.واسمعه يقول:
... وتلك العناكب مذعورة
تريد التفلّت من حبسه
... لقد تعبت منه كف الدمار
... وباتت تخاف أذى لمسه
... هنا ينفض الوهم أشباحه
... وينتحر الموت في يأسه !
إن إلحاح الشاعر مثمر.. وثمرته هذا الوعي الاجتماعي/ الحضاري الذي عرف كيف يموت الجشع الإنساني الطاغي، وكيف ينتحر الكبرياء الكاذب أمام الموت.. و"للعنكبوت"في الذاكرة العربية حضور خاص. ففي القرآن الكريم له رمزية تقترن بالوهن والضعف، وحقيقته بالمكان الخالي الخرب. لقد ضربه الله - عز وجل - مثلا لزوال الأمم التي سلط عليها عقابه، وعدد أسماءها، وصور هلاكها، وخراب مماليكها. بيد أن الشاعر يحول كل ذلك إلى تقابل نستشف منه مقابلة الصرح الذي كان متينا قويا، وغدا هباء منبثا، ببيت العنكبوت الذي لا يصمد أمام هبات النسيم اللطيف. وتمعن الصورة من ناحية ثانية في مسلك الازدراء والسخرية، حين تجعل العناكب مذعورة من فداحة الخطب، تسعى للتفلّت من حبسه، لا من شبكة بيتها.