فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 154

... تجاور وتنافر في آن ! يصنعان نغمة السخرية الرومنسية التي لا تهمل الواقع الاجتماعي، حتى وإن كانت حالمة النبرات. إلاّ أن نقدها لاذع مرّ. يتخير من الصور ما يستوقف القراءة، فتعالجه لتجني من تنافرها وتجاورها جملة المتناقضات التي تعمر حياة الناس واجتماعهم. وها هو الدمار نفسه يتعب ويتأفف من فعله. بل يخاف لمس صنيعه."وكل شيء لا محالة زائل". ولو وقف الإنسان أمام الطلل عين الوقفة لنفض عن نفسه وهم الخلود والبقاء.

5-الطلل بين رؤيتين:

... هل قال الشعر القديم مثل هذا القول الذي تقوله القصيدة الحديثة ؟ نعم وزيادة ! والجديد فيها أنها استفادت من طرائق الإخراج وعمق الأسئلة.. بيد أن النص.. نص الطلل واحد عند الجميع. وواحديته لا تعني التكرار أبدا، وإنما هو نص كبير"جامع""أزلي"يقتطع منه الشعراء نصوص القراءة، كل حسب قدرته واقتداره، حسب انفصاله وذهوله. وخير مثال نسوقه لتقرير هذه الحقيقة من شعر"شوقي"في الأهرام و أبي الهول.

... كان"شوقي"في جلسته مع"أمين الريحاني"ورفقته عند سفح الهرم، تكريما للأديب السوري، ينظر إلى الأهرام بعين الانفصال، فلا يستوقفه فيها سوى مظاهر العظمة والجلال. تستدرجه إلى مدح الفراعنة، والإشادة بأخلاقهم. وهي ملاحظات خارجية يمليها الانفصال، ويختار الاستلاب صورها ومعانيها لاشتمال المكان على الشاعر وتسلطه عليه، فلا يجد في نفسه سوى تلك المظاهر الخارجية التي تحجب عنه ما تحتها من حقائق التاريخ. يقول"شوقي"مترسما خطى الشعر القديم:

... قف ناد أهرام الجلال وناد

... هل من بناتك مجلس أوناد ؟

قل للأعاجيب الثلاث مقالة

... من هاتف بمكانتهن وشاد

... لله أنت، فما رأيت على الصفا

... هذا الجلال ولا على الأوتاد.

... لك كالمعابد روعة قدسية

... و عليك روحانية العباد

... أسست من أحلامهم بقواعد

... ورفعت من أخلاقهم بعماد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت