فهرس الكتاب
ولا يكفي أن يكون الوصف دقيقا رائقا، كما لا يكفي أن يكون الشعر مطبوعا صافيا. لأن الانفصال سيبقي على الحاسة الشعرية بعيدة عن تلمس رمزية الموضوع، خالية من حرارة السؤال المستبطن، الذي يتوغل بعيدا وراء كتل الحجارة. كما أن للمجلس الذي جلس"حفلة تكريم"عوارض أخرى تصرف هذا النص عن أن يكون نص طلل. لأن شرط الطلل هو الوحدة. والمناسبة تفضي إلى نقل التفاخر إلى الحجب. ومعنى الحجب هنا، هو الإغضاء عن الأسئلة التي ينثها الحجر، والتي تتجاوز العظمة إلى الضعة، وتتجاوز الجلال إلى الدناءة.. لقد كان"شوقي"في ذلك الإبان مسكونا ب"الفرعونية"انتماء، وكان"إلياس أبي شبكة"مسكونا ب"الفينيقية"في لبنان. وهي حجاب آخر يسدله الانفصال دون أسرار الطلل، فيحجب الرؤية، ويوقف اللغة على ما يشبه المدح الخالص.
... أما إذا راقبنا شوقي - في موقف آخر - في نص طللي حقيقي، وقد تجرد من انفصاله، فإننا نلمس حرارة السؤال، وإلحاحه، وتحول شكل اللغة، وانقلاب الهم، ليتجاوز نص الطلل إلى خطابه، فيتخطى الحامل سريعا إلى محموله. واسمعه يقول في"أبي الهول":
... أبا الهول، طال عليك العصر
... وبُلِّغت في الأرض أقصى العمر
... فيا لدة الدهر لا الدهر شبّ
... ولا أنت جاوزت حدّ الصغر
... إلام ركوبك متن الرمال
... لطي الأصيل،و جوب السحر؟
... تسافر متنقلا في القرون
... فأيّان تلقي غبار السفر ؟
... أبينك عهد و بين الجبال
... تزولان في الموعد المنتظر؟
... أبا الهول ماذا وراء البقاء
... إذا ما تطاول غير الضجر ؟ (8)