وقد سعينا في بحثنا هذا إلى تقديم نموذج للقراءة المكانية، معتمدين على المكان في المقام الأول، جاعلين الاهتمامات الأخرى تابعة، خادمة، تأتي رافدة للمعاني التي يثيرها المكان في صميم المعمار الشعري كله.والقراءة على هذا النحو قراءة إشعاعية"Spectrale": أي أنها قراءة تتخذ المكان مركزا لمجموعة من الدوائر التي تنداح متباعدة عن المركز، فعل الحجر الذي يلقى به في الماء الساكن، فتنشأ عنه مجموعة من الدوائر التي تزداد اتساعا كلما ابتعدت عن المركز. والقراءة الإشعاعية تنطلق من المكان وتعود إليه، كلما استنفدت شعاعا من أشعتها. وكل شعاع إنما يمثل وجهة تسلكها القراءة لملامسة تخوم خاصة بها.
ومن حسنات القراءة الإشعاعية، أنها قراءة لا تستنكف الاستفادة من المعارف المختلفة، بل تجعل همها الأول في تلقيح رؤيتها بما تقدمه هذه المعارف، حتى وإن بدت للرائي أنها واهية الصلة بالمكان، أو أن اهتمامها به، يقع في مجال غير مجال الفن والأدب. والملف حقا في هذه الاستفادة، أنها كلما أوغلت في الحقول المعرفية البعيدة عن الأدب، كلما عادت بحمولات طريفة، تدخل على الأدب روحا جديدا، يبعث فيه من الحياة والجدة ما هو في حاجة إليه اليوم في خضم العلمنة الطاغية.كما أنها تعطي للدرس الأدبي من جهة ثانية صفة الشمول التي لا بد لدارس الأدب من الاضطلاع بها. لأنها من ضرورات الفهم الأدبي أساسا، والتي من شأنها أن تنسف الاعتقاد في جدوائية التخصص الضيق.