فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 154

إن دارس الأدب قارئ في المقام الأول ! والقراءة تحتم عليه إقامة الفهم، وضبط نتائجه. والفهم يشترط في صاحبه السعة والشمول المعرفي. وقد تقاس القراءة الحقة بهذه السعة، لا فيما تحشد من معلومات في حصادها، بل فيما تتخير منها لتدعيم فهمها للنص. فقد يتطلب النص في هذه النقطة من الكم معرفي، ما لا يتطلبه في نقطة أخرى. وهذا التوزيع في مقادير المعرفة، هو الذي يعطي للقراءة فاعليتها، ويؤكد للقارئ عبقريته. إذ ليس العبرة في الحشد و الجمع، بل العبرة في التوزيع الذكي الذي يخدم المعنى، ويحقق للنص عطائيته المفيدة.

إن ممارسة القراءة الإشعاعية، ممارسة ممتعة. لأنها مشاركة، والمشاركة تدرج القارئ في العملية الإبداعية إدراجا مزدوجا: إدراج في صلب النص، فيكون القارئ جزءا من النص ذاته. وإدراج خارجي تكون فيه الذات القارئة هي غياب النص. ونقصد من الغياب في هذا الموطن، العمق غير المرئي من مجال النص، الذي تشكله حزم الدوائر التي تحدثنا عنها من قبل. فكل حزمة منها تشكل عمقا، أو كثافة نصية، لها من التوتر الإبداعي، ومن الشحنة العاطفية، ومن القصدية المعنوية، ومن السمة الأسلوبية، ومن الصياغة اللغوية ما يحددها أثرا جزئيا في التركيب الكلي للنص الإبداعي عامة. فإذا استطعنا تحديد الحزم النصية، وألحقنا بكل واحدة منها ما يناسبها من عناصر الإبداع ومقوماته، استطعنا في أثر رجعي تحديد سماكة النص الأدبي، ووضعنا الحضور إلى جانب الغياب لتأكيد وحدة الأثر الإبداعي جملة واحدة.

سيجد القارئ في هذه الأوراق، شكلا من أشكال القراءة الإشعاعية. نقدمه محاولة لإرساء هذا النمط من القراءة، آملين أن يجد عند الدارسين من القبول ما يدفعنا إلى المضي به إلى أقصى الحدود. والله من وراء القصد، وعليه المعول والتكلان. والحمد لله رب العالمين.

سيدي بلعباس

مدخل.

التأطير التنظيري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت