... لقد تفصد الاهتمام ب"المكان"عن الدراسات الوضعية التي نظرت إلى الظاهرة الاجتماعية باعتبارها"شيئا"ذا أبعاد مكانية وزمانية. لا تختلف عن الظواهر العلمية الأخرى في الطبيعيات مثلا. وعمل الاجتماعيون الوضعيون على تأكيد هذا التوجه، منذ"أوجست كونت" (1798/1857) و"تين"(1828
/1893)و"دوركايم" (1858/1917) .
... لقد نظر"كونت"- من قبل- إلى الميتافيزيقا على أنها من مخلفات الماضي، وأنها شيء ينبغي أن نتغلب عليه، بأن ننصرف عنه للبحث عن القوانين. أي عن العلاقات الثابتة بين الظواهر. (1) وفي ذلك تحويل لوجهات البحث من العلل والأسباب الغيبية المتعالية، إلى الواقع بحيثياته المادية، المحصورة في الزمان والمكان، من خلال الملاحظة المستمرة للظواهر. وعمل"تين"على تأكيد المنحى الوضعي للمعرفة، حين استلهم نظرية"الوسط""MILIEU"التي قال بها"كونت"وحللها إلى القوى الفاعلة فيها، فكانت: الجنس، والوسط، واللحظة. وراح يجريها في دراساته ابتداء من البحث الذي أنجزه لنيل شهادة الدكتوراه ( طبع عام 1853) والموسوم ب"بحث في خرافات لافونتين"معللا رؤيته تلك، قائلا: »يمكن أن ننظر إلى الإنسان على أنه حيوان من نوع أعلى، ينشئ فلسفات وقصائد على نحو شبيه بدود القز حينما يصنع الشرانق، والنحل حينما يصنع الخلايا«. (2)
... ويبلغ به الاعتداد بالعلم حدا في كتابه"تاريخ الأدب الإنجليزي" ( طبع عام1864) إلى القول:" إن الرذيلة و الفضيلة يصنعان مثل الفتريول و السكر، وكل معطى معقد يتولد من التقاء معطيات أخرى أبسط، يتوقف عليها. « (3)