... وعمل"دوركايم"-من جهته- على تأكيد هذا الاعتقاد، حين عمل على تطهير علم الاجتماع من الاعتبارات الغائية، وتوثيق المنهج العلمي القائم على الملاحظة الخارجية للأشياء. وفيه يتساءل قائلا:" ما هو الشيء فعلا؟ الشيء في مقابل الفكرة، وهو يدرك من الخارج في مقابل ما يعرف من الداخل. « (4) ومعناه أن القاعدة الأساسية في المنهج الوضعي لا تتضمن أي تبرير ميتافيزيقي متعال يبحث في الغائيات، كما أنها تستبعد كل تفكير نظري مجرد في أساس الأشياء.
... ولا يخفى أن اعتبار الظواهر أشياء، هو مقايسة على ما يحدث في علم الطبيعيات، والكيمياء، والفيزياء. وهو ما يفرض بالتالي تبني النهج التجريبي الذي تشكّلت نواته الوضعية مع"فرنسيس بيكون" (1561/1626) . والذي لم يكن سوى ردّ فعل قوي ضد الميتافيزيقا المدرسية، والنزعات التلفيقية. ومن ثمّ تأكد من ورائه الإيمان الكبير في العلم، وفي قدراته التفسيرية.. وإذا تتبعنا ممثلي الاتجاه الاجتماعي الوضعي، ألفينا عين اليقين في العلم و تبني خطواته، وإخضاع المفاهيم إلى التحليل العلمي لضبط دقّة الألفاظ و المصطلحات. وقد اختط الوضعيون شروطا تتأرجح بين إخضاع التفكير الفلسفي و الفني لعمليات التحليل العلمية، وإقصاء مواطن الاختلاف في اللفظ و المصطلح. وقد أثار هذا الفهم ردودا شكّلت تيارا موازيا للوضعية، ذلك هو تيار"فلسفة الحياة"أو"البرغسونية". (5)