فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 154

ويخضع السرد إلى نظام التوالي والتعاقب الذي يخضع له الشعر، ولكنه يتجرأ على كسر طوقه. وإن حاولت الرواية فعل ذلك اضطرب تسلسل الحدث فيها، واختل نظام الحكاية، وغابت الوحدة التي يسعى السرد إلى تكريسها من خلال فعل الحكي.

... لقد حاولت الرواية الجديدة - مع روب غرييه، ونتالي ساروت -تعمد كسر نظام التوالي، فأخرجت للناس قصصا من دون بداية ولا نهاية، تتجاور فيها الفصول دون أن يكون بينها رابط سببي واضح. مما جعل قراءتها متعبة تترك للقارئ مهمة الترتيب، واختلاق التوالي الذي تهتدي إليه القراءة من جملة ما يقرأ. وكأن نص القراءة عمل تال يقوم عقيب الفراغ من القراءة الأولى كتخمين محتمل للنص المتشظي في الكتابة. وهي التجارب التي استمرت في خمسينيات و ستينيات القرن الماضي، إلاّ أنها ولّدت ردّة لدى الجمهور القارئ إلى الرواية الكلاسيكية القائمة على الهندسة الواضحة،

والمعمار المتماسك، والوصف المستقصي المستفيض، والاستبطان النفسي العميق. وبغية القراءة لا تقف عند همِّ إعادة البناء واحتمالات الأشكال، بقدر ما تقف عند"التلصص"على الآخر. لقد نعت"ألبيرس"هذا الجنوح بدور"مصاص الدماء"، لأن القارئ يجد لذته في التجسس على الآخر، كما يجد الكاتب متعته في هتك الأعراض وفضح الناس. (1)

... بيد أن للحكاية سبلا لكسر التوالي، وإجراء التعديل على السيرورة الزمنية، ودمج الماضي في الحاضر، والحاضر في الماضي، والتراجع والقفز.. وهي سبل معروفة مقبولة تعطي للسرد حيوية وقدرة على التفلت من سلطان الزمان والمكان. وربما كان التداعي الذي عرفته الرواية الحديثة أروع مركبة يركبها القاص لجوب متاهات النفس والزمن و الأمكنة. دون أن يقطع حبل التوالي، أو يخل بنظام السرد. أو أن يتعمد جعل النهاية بداية، والبداية نهاية، أو ما يعرف بالسرد المعكوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت