فهرس الكتاب
... لقد رأينا كيف تحاصر الأسئلة الشاعر في موقفه مع"أبي ريشة"، وكيف يستشعر العجز فيتقهقر متراجعا. وحركة النكوص هذه تنبئ عن عدم وجود الإطار، لا السردي فقط، ولكن الإطار المناسب الذي يسمح للاكتضاض بالتنظيم والتهذيب. فتتعاقب الأسئلة والملاحظات، كل واحدة منها في موقفها الخاص بها، لا تزاحمها فيه أخرى، ولا تشوش صفاءها. وليس خلو الشعر من الإطار عيبا، إنما هو محض اختيار. لأن غرض النص أن تأتي الأسئلة على ذلك النحو لتصدم القارئ، شعثاء غبراء، قلقة مضطربة، صاخبة هامسة.. وفي هذه الفوضى سيمات جمالية لا تنكرها الذائقة. بل قد ترتاح لها ارتياحها للماء الدافق الهدّار، المتكسر على الصخر. وانبساطها للماء الهين الرقراق الذي يخاتل الحصى والعشب.
... وإذا اختار الشاعر إطارا اصطناعيا فلمقصد جديد، يريده لنص الطلل، حتى يتمكن هذا الأخير من سرد حكايته، أو حكاية من حكاياته. وإذا فعل ذلك لم يكن إخلاصه للإطار وشروطه الفنية واجبا حتميا، وإنما يظل إخلاصه لجنسه أولا، يتصرف فيه وفق شروطه فينقلب إلى الإطار يطاوعه حتى ينصاع لمطلب الجنس الأدبي. وهي عملية تدجين لا تخلو من عبقرية التأليف، تجعل الشاعر يقظا على جبهتين: جبهة الشعر، وجبهة السرد. وللأولى هيمنة الجنس، وللثانية إمكانات الرافد المساعد.
2-نص السرد:
يقول"إلياس أبي شبكة":
على ذروة بين أطلال صور
يحيط بها شجر و صخور
يقوم بناء كعش النسور
بناء يرى العابرون عليه
نباتا تراءى على جانبيه
فغطي بعوسجه سدفتيه. (2)