فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 154

عُرف الشعر قديما ملحميا، يروي قصة تطول أحداثها، ويتعاقب عليها الواقعي والعجائبي، في صنيع ممتزج تغيب بينهما الحدود والفواصل، فيقبل العقل والذوق هذا وذاك. وربما يستريح العقل لذلك المزج ويستمرئه مادام مثار لذة تجعل الاحتمال قائما في كل خطوات السرد. ولهذا السبب ما زلنا نقرأ"ألف ليلة وليلة"ولا نسأل أنفسنا عن مصداقية الحدث، ولا عن تاريخية الزمن، ولا عن جغرافية المكان. بل نكتفي بالأسماء على علاّتها، ولا يغنينا البحث فيها. بل تكفي المتعة الناشئة من فعل التخذير الذي يصاحب الأحداث و فجائيتها. وكأننا نستسلم لهدير الكلمات، وهدهدة الأحاسيس البسيطة. وقد استطاع الشعر استيعاب ذلك كله، وحمله أصالة دون أن يتعثر السرد، أو تضيق العبارة. وتلك مطاوعة خاصة تقبلها اللغة الشعرية، وهي تختزل السرد في عبارات يتسع لها الوزن، وتقبلها القافية.

... والمطاوعة تحتاج إلى كثير من الدربة والمران. لأنها تضع على لسان الشاعر قصة السرد، وتحتال لهذا الوضع حتى يجد الفسحة المناسبة التي تستوعب طاقته. وكأن العملية"مطٌّ"للقالب الشعري دون أن يفقد خصائصه البنائية التي هي له أصالة. بل نحسب"المط"و"التمديد"ظاهرة نتوهمها ونحن نقرأ القصة الشعرية، دون أن يكون لها وجود فعلي. وأنها مجرد إحساس غامض يوهمنا به السرد أثناء ملاحقة الحدث.

أ-المدخل القصصي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت