فهرس الكتاب
... لقد رأى"غريماس"للسرد مستويين:» مستوى ظاهري، أو صريح النص، والمستوى الثاني، الذي هو قاسم باطني و بنيوي مشترك.« (5) فإذا وزعنا وحدات السرد على المستويين، خرجنا بنصين متداخلين/ منفصلين..صريح النص الذي يعرض مكانا مشرفا عاليا، قد غزته الأشواك وسدّت سدفتيه. ونص باطني يعرض المكان كعش النسر، لا يستوقف العابرين إلاّ ريثما يلاحظون خلوه ووحشته. وتراكب النصين في نسق واحد، يثير لدى المتلقي سلسلة من الأسئلة التي تتجاوز مظهرية المكان إلى مخبريته. فتتلاشى معالمه من مقدمة الاهتمام ليغوص النظر بعدها في أغوار الطلل.مستكشفا تجاور المنعة والوحشة، الحصانة والخراب، الحياة والموت. وكأن هذا التنافر الصريح، لا يستقيم معه ذاك التجاور، إلاّ لعلل لا تظهر للعيان أبدا.ولو ظهرت جلية لشدّ تناقضها العابرين.
... إن تراكب النصين - الصريح والباطني - اللذين تحدث عنهما"غريماس"لا شك سيولد التنافذ الحاصل بينهما نصا ثالثا، هو نتاج التمازج الكلي بين عناصر التكوين السردي: من إخبار، وتصوير وظيفةً، إلى صريح وباطني شكلا وبنيةً. إن الشاعر- وهو يدرج التشبيه ضمن الخبر - يحدث في بنية السرد شرخا تتمدد من خلاله أسئلة تتجاوز نص السرد جملة وتفصيلا، وترتفع إلى حقيقة الطلل، مستشرفة قصته، متطلعة خبره، قبل أن تباشره القراءة بعدُ.
... لقد زعم بعض النقاد أن القراءة أحداث مجزأة. ومعنى التجزئة فيها، أننا نقرأ أولا ثم نؤول ثانيا..وذلك وهم مردود، لأن القراءة - وهي تقتحم صلب النص- تقدم التأويل ليفتح أمامها مسالك النص، جملة جملة. وإلاّ لتعذر على القراءة مواصلة فعلها. فالقراءة تأويل مستمر يقتحم النص من أول حرف، إذ هو الذي يعطي للتلقي وجهته، وكثافته، ويحدد مقاصده. (6)