فهرس الكتاب
... إن الرومنسي لا تخدعه عظمة البناء، فهي عنده عنوان استعباد وقهر. والطلل الواقف أمامه لا يوحي هموده إلاّ بالموت والرمس. حتى وإن كانت"الكاف"للمفارقة والاختلاف، تقف حاجزا بين المشبه والمشبه به، وتمنع تداخلهما عكس ما تقتضيه الاستعارة. وهي من جهة ثانية رمز شخوص العقل وحضوره. فالطلل ليس رمسا وإنما هو كالرمس، والذي يعطيه قابلية احتواء الثنائية، هو تذبذب اللغة بين طرفي حقيقته. والملفت في السرد - هنا - أن نصيب الظلام أوفر من نصيب الضياء، والتأكيد عليه واضح في البدء بالظلام قبل النور.. هل كان لون حجارته باعثا على ذلك الاختيار ؟ هل كان موقف الشاعر من الطلل سبب ذلك السبق ؟ إن اختيار الاحتمال الأول لا يؤكده شيء في النص، وإن كانت غالبية الصخر تميل إلى السواد نظرا لطبيعة تكوينها الجيولوجي، ونظرا لما يعتريها من عوامل المناخ المتقلب. وربما لا يرى العابر أول وهلة سوى كتلة حجرية تميل إلى السواد فيعلق بذهنه هذا اللون قبل غيره! بيد أنها ملاحظة سطحية لما نعلم ما للون من دلالة. والسواد في هذا الموقف، سمة لا بد من قراءتها في حقل الدلالة التي تشيعها العناصر الأخرى المجاورة لها في النسق الشعري كالمين، والزور، والشوك. وكأن الطلل شاهد - عبر الزمان - على ذلك الصراع من جهة، وعلى ضرورة وجود الثنائيات الضدية في الحياة من جهة أخرى. إنه في هذا الموقف يفصح عن شيء رهيب: إذ لا وجود للوسطية في هذه الدنيا.. يأتي الظلام ثم يأتي الضياء، يتداولان، لكل واحد منهما عالمه الخاص وقيمه الخاصة. ثم يتراجع محكوما بدورة الفلك القاهر، ليحل محله الثاني، وهكذا دواليك. ذلك ما يفسر قول"إلياس أبي شبكة":
كأني به برج جن وحور
تردد بين ظلام ونور.