فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 154

ولا يزال الشاعر يصر على تقديم عالم الظلام ويخصص أهله، وعالم النور ويحدد أهله: جن وحور. إن العالم شطران: جن وحور/ ظلام ونور. ولا مكانة للإنسان بينهما، إنه مقصى، أو هو مجرد تابع لواحد منهما، مجبور على اتباع قيمه وتصوراته.

ج-فاعلية التشخيص:

... وقفت محاولات الشعراء لاستنطاق الطلل عاجزة أمام صمته الرهيب الكئيب، وأرهفت السمع لالتقاط أخفت الذبذبات، ثم تراجعت مكتفية بالتخمين والظن، مرددة أسئلتها لعلها تجد جوابا في مستقبل الأيام. ولم نجد شاعرا أجرى حوار مع المكان في بضع من الأبيات إلاّ"ابن خفاجة الأندلسي"في وقفته أمام الجبل، حين أجرى بعض تأملاته على لسانه وقد حوّله إلى شيخ وقور، ناسك، معمم بالبياض. وذلك مسلك تشخيص أثير في الشعر العربي القديم. استعمله الشعراء كلما أحسوا بضرورة المحاورة والتخاطب، وإضفاء الحياة على الجماد. ولم يفت السرد مثل هذا الصنيع. ولكنه التشخيص الذي لا يلجأ إلى الحوار، بل إلى الحركة. فينقلب المشخّص إلى كائن يحيا حياة خاصة، تتولاه المخيلة وصفا، مركزة على بعض هيئاته وأحواله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت